|
شرح
آيات الأولياء
الفخام
:
ألا إن أولياء الله لا خوف
عليهم
ولا هُم يحزنون
الذين آمنوا
وكانوا يتقون

لهم البشرى
في الحياة الدنيا
وفي الآخرة،
لا تبديل لكلمات الله،
ذلك هو الفوز العظيم

قال الله تعالى:
ألا إن أولياء الله
الأخَصّ على التحقيق
لا خوف
عليهم
من عذابٍ بسبب شرٍّ
ولا هُم يحزنون
على حِرمانٍ بسبب شرٍّ،
أي: فهم معصومون عن الشرِّ فلا يقعون فيه؛ لأنه سبب الخوف والحزن.
وهم:
الذين آمنوا
بالله تعالى والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما أنزل
إليه فنالوا كرامتهم حظاً
وكانوا يتقون
الله تعالى فيجاهدون فيه
النفوسَ على التحقيق ابتغاء وجهه.
[[ فـ ]]
لهم البشرى
بمحبَّة الله تعالى
لهم؛ كما في الخبر الصحيح:
إن الله تعالى أمرني بحبّ أربعة وأخبرني
أنه يحبّهم: عليّ منهم
[الترمذي وابن ماجة والحاكم]
في الحياة الدنيا
من جهة: إعلامهم بولايتهم، وإكرامهم بالمعرفة
الكاملة، خلافاً لمن هم دونهم، وهو قولهم:"
قد تَتَّفِقُ لِمَن تَجَرَّد في هذه الدَّار عَن حُبِّ المَحْسُوْسَات
وَعَلائقِهَا هَذه المَعْرِفَةُ الكَامِلَةُ "اهـ؛
لذلك قال { في الحياة الدنيا } ولم يقل في
{ الدنيا }: لأن الدنيا من
حيث هي محل سفلي لا تحتمل الحقائق العلويَّة، ومن ثمَّ لما سأل سيدنا
موسى عليه السلام رؤيةَ الله تعالى في دار الدنيا قال له { لن تراني،
ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني، فلما تجلى ربّه
للجبل جعله دكاً }[الأعراف:143]،
بينما لما أُلحِقَ سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأعلى
مكّنَه من رؤيته
وفي الآخرة
من جهة منازلة منزلتهم في الجنَّة،
وإكرامهم بزيادة معرفتهم الكاملة كشفاً ووضوحاً،
ولهذا قال بَعْضُ العَارِفِين:" لَوْ كُشِفَ الغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ
إلا يَقِيْناً "اهـ؛ قال بعض الكبراء:" ليس بينَ إدْرَاك الحَقائِق في
الدُّنيَا وفي الآخِرَة فَرْقٌ، بَلْ هَذَا هُوَ عَينُ هَذا إلا
بِزيَادَةِ كَشْفٍ ووُضُوْح؛ كمَا بَينَ تَصَوّر ذَات الشَّيءِ في
الخَيَال وَبينَ رُؤْيَتِهِ بالبَصَر. وكمَا أنَّا إذا قَدَّرنَا
إنْسَاناً وُلِدَ أعْمَى إلا أنّهُ تَامُّ الفِطْرَة جَيِّدُ الحِسِّ،
وقَدْ وُصِفَتْ لَهُ مَدِيْنَتُهُ التي نَشَأ فِيْهَا وَصْفاً كَامِلاً
شَافِياً وتَوَاتَرَ وَصْفُهَا لَهُ عِنْدَهُ حَتى كأنَّهُ
يُشَاهِدُهَا وَحَتى صَارَ يَصِفَهَا لِغَيرِهِ مِنَ العمْيَان
ويَتَصَرّفَ في سَائِر نَوَاحِيْهَا وَطُرُقِهَا بِلا قَائِد، فَإنَّ
هَذَا إذَا رُزِقَ البَصَرَ دَفعْةً واحِدَةً، وَشَاهَدَ تلْكَ
المَدِيْنَةَ، رَآها على وِفْقِ ما كَانَ مُنْطَبِعاً في خَيَالِهِ
مِنْهَا قَبْلَ مُشَاهَدَتَهِا، إلا أنَّ الرّؤْيةَ أكثرُ وُضُوْحاً
وَأكثرُ جَلاءً. وكذلك رُؤْيةُ الشَّيءِ في غَيْمٍ رَقِيْقٍ لا
يَمْنَعُ الرُّؤْيةَ عَلى وَجْهٍ ما ثمّ رُؤْيتهُ بَعْدُ عندَ
انقِشَاعِ ذَلِكَ الغَيْم. ولذَلك نجِدُ كثِيراً من الناس: يَعْشَقُ
الصُّوْرَةَ الحِسِّيَّةَ الإنسَانِيَّةَ بالسَّمَاعِ حتى يَهِيْمَ بها
ثُمَّ يَهْوَاهَا بَعْدَ ذَلك، فَتَكُوْنُ عِنْدَهُ عَلَى وِفْقِ
الصُّوْرَةِ المُنْطَبِعَةِ في نَفْسِهِ مِنْهَا بالسَّمَاع. فَهَذَا
هو الفَرْقُ بينَ إدْرَاك العَارِفِ في الدُّنيَا، وإدْرَاكِهِ في
الآخِرَة؛ إذْ لا عَائِقَ عَنْ كَمَالِ الإدْرَاك واللذَّةِ بِهِ في
الدُّنيَا إلا حُجُبُ الأجْسَامِ وتَدْبِير ضَرُوْرَاتِها، فَإذا
ذهَبَتْ عَلائقُهَا مِنَ النَّفْسِ وانْصَرَفت عَنْ تَدْبِيرِهَا
بالمَوْتِ كانَت لَذَّةُ المَعْرِفة أَكْمَلَ وأتَمَّ "اهـ
لا تبديل لكلمات الله
أي: قراراته نحو أن يحب أو يكره، لا أحكامه
نحو أن يُحِل أو يُحَرّم؛ لأنه إله، فيلزم من تبديلها التغير، وهو
مستحيل في حقِّه تبارك وتعالى.
ذلك هو الفوز العظيم
[يونس:62-64] أي: الغاية القصوى، فأكَّد ما قلناه في وصفهم؛ إذ
ليس كل وليّ يظفر بالفوز العظيم وإن كان فائزاً.
ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون
الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة
سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.
|