حَدِيْثُ الزُّهْد

في فتوى نورانية:"

.. أن قول سيدنا الرسول الأعظم الحبيب محمد : { ازهد في الدنيا يحبك ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس }[رواه ابن ماجة وغيره بأسانيد حسنة؛ كما في الأربعين]: من جوامع الكلم في علم التصوف.

ظاهره يفيد أن الزهد سبب المحبة.

والكلام عليه من وجوه:

الوجه الأول: أن " الزُهْد " في اللغة: الإعراض عن الشيء احتقاراً له، وأما في الشَّرْع: فالحدّ الجامع الذي أراه فيه بتوفيق الله تعالى: أنه الإعراض عن الفضول.

ثم إن هذا الفضول يتفاوت بتفاوت مراتب السالكين.

الوجه الثاني: أن " الزهد في الدنيا ": الإعراض عن فضولها، وأما الإعراض عن الحرام ( كالزنا ) فطاعة، والإعراض عن المكروه ( كالمتشابهات: تشبه الحرام وليست هي هو بذاته ): فتقوى، والإعراض عن المُقرّبات ( وهي ما يظن مع مباشرتها الوقوع في الحرام أو المكروه ): فورع.

الوجه الثالث: أن " الإعراض عن الفضول " يقع حقيقة أو بالمعنى، أما الأول: فبعدم استعمال الفضول مطلقاً، وأما الثاني: فباستعماله لا لذاته، ولا رغبة به، وإنما لمصلحة شرعيّة.

الوجه الرابع: أن " الزهد في الدنيا " متفاوت بين الزاهدين بحسب مراتبهم، باعتبار واقف على المسمى حقيقة، وواقف على الاسم حتى يشمل كل الأغيار والسوى، فيكون الله مقصوده، ورضاه مطلوبه، ومنه قول أبي حفص:" الزهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدنيا، فلا زهد ".

الوجه الخامس: أن " الزاهد في الدنيا ": لا يَعْتَبِر منها إلا ما كان طاعة لله تعالى، أو سببا فيها، أو إليها، مَظهَرٌ لقوله : { لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم }[ الحديد: 23 ].

الوجه السادس: أن الزهد في الدنيا إنما كان سببا لمحبةِ الله تعالى: لأنه علامة الإخلاص؛ إذ لا يبقى في نفس الزاهد طمع بالدنيا، كيف وقد أعرض حتى عن فضولها؟

ومن ثم قيل:" الزهد مَلِك، لا يسكن إلا في قلب خالٍ ".

الوجه السابع: أن للزهد في الدنيا ثمرات أخرى إضافة إلى محبة الله تعالى، أهمها: الحكمة: ففي الخبر: { إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهداً في الدنيا ومنطقاً، فاقتربوا منه؛ فإنه يلقَّن الحكمة }، وقد قيل:" إذا زهد العبد في الدنيا، وكّل الله تعالى به ملكاً يغرسُ الحكمةَ في قلبِه ".

وقال الفضيل بن عياض :" جعل الله الشّرّ كله في بيت، وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت، وجعل مفتاحه الزهد ".

قلت: وعلامة حب الدنيا: التعلق بها، والاشتغال لها، وقد قال سيدنا رسول الله محمد : { حبّ الدنيا رأس كل خطيئة }.

وفي الخبر: { إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه في الدنيا والآخرة، والراغب في الدنيا يتعب قلبه في الدنيا والآخرة }.

الوجه السابع: أن " ما عند الناس ": هو ما يملكونه حرصاً عليه، ومن ثم كرهوا من نازعهم فيه.

وفي ذلك يقول إمامنا الشافعي :

ومن يذق الدنيا  فإني طعمتها   ***   وسيق إلينـا عذبها وعذابهـا

فمـا هي إلا جيفـة مستحيلة   ***   عليها كلاب همّهـنّ اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سَلَماً لأهلها   ***   وإن تجتذبها نازعتك كلابها

ولا شك أن الزاهد في الدنيا زاهد فيما عند الناس؛ لأنه منها، خلافاً للآخر .. "انتهى