|
حَدِيْثُ الزُّهْد
.. أن قول سيدنا الرسول الأعظم الحبيب محمد
ظاهره يفيد أن الزهد سبب المحبة. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: أن " الزُهْد " في اللغة: الإعراض عن الشيء احتقاراً له، وأما في الشَّرْع: فالحدّ الجامع الذي أراه فيه بتوفيق الله تعالى: أنه الإعراض عن الفضول. ثم إن هذا الفضول يتفاوت بتفاوت مراتب السالكين. الوجه الثاني: أن " الزهد في الدنيا ": الإعراض عن فضولها، وأما الإعراض عن الحرام ( كالزنا ) فطاعة، والإعراض عن المكروه ( كالمتشابهات: تشبه الحرام وليست هي هو بذاته ): فتقوى، والإعراض عن المُقرّبات ( وهي ما يظن مع مباشرتها الوقوع في الحرام أو المكروه ): فورع. الوجه الثالث: أن " الإعراض عن الفضول " يقع حقيقة أو بالمعنى، أما الأول: فبعدم استعمال الفضول مطلقاً، وأما الثاني: فباستعماله لا لذاته، ولا رغبة به، وإنما لمصلحة شرعيّة. الوجه الرابع: أن " الزهد في الدنيا " متفاوت بين الزاهدين بحسب مراتبهم، باعتبار واقف على المسمى حقيقة، وواقف على الاسم حتى يشمل كل الأغيار والسوى، فيكون الله مقصوده، ورضاه مطلوبه، ومنه قول أبي حفص:" الزهد لا يكون إلا في الحلال، ولا حلال في الدنيا، فلا زهد ".
الوجه الخامس:
أن " الزاهد في الدنيا ": لا يَعْتَبِر منها إلا ما كان طاعة لله تعالى، أو
سببا فيها، أو إليها، مَظهَرٌ لقوله
الوجه السادس: أن الزهد في الدنيا إنما كان سببا لمحبةِ الله تعالى: لأنه علامة الإخلاص؛ إذ لا يبقى في نفس الزاهد طمع بالدنيا، كيف وقد أعرض حتى عن فضولها؟ ومن ثم قيل:" الزهد مَلِك، لا يسكن إلا في قلب خالٍ ". الوجه السابع: أن للزهد في الدنيا ثمرات أخرى إضافة إلى محبة الله تعالى، أهمها: الحكمة: ففي الخبر: { إذا رأيتم الرجل قد أوتي زهداً في الدنيا ومنطقاً، فاقتربوا منه؛ فإنه يلقَّن الحكمة }، وقد قيل:" إذا زهد العبد في الدنيا، وكّل الله تعالى به ملكاً يغرسُ الحكمةَ في قلبِه ".
وقال الفضيل بن عياض
قلت: وعلامة حب الدنيا: التعلق بها، والاشتغال لها، وقد قال سيدنا
رسول الله محمد
وفي الخبر: { إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه في الدنيا والآخرة، والراغب في الدنيا يتعب قلبه في الدنيا والآخرة }. الوجه السابع: أن " ما عند الناس ": هو ما يملكونه حرصاً عليه، ومن ثم كرهوا من نازعهم فيه.
وفي ذلك يقول إمامنا الشافعي
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها *** وسيق إلينـا عذبها وعذابهـا فمـا هي إلا جيفـة مستحيلة *** عليها كلاب همّهـنّ اجتذابها فإن تجتنبها كنت سَلَماً لأهلها *** وإن تجتذبها نازعتك كلابها ولا شك أن الزاهد في الدنيا زاهد فيما عند الناس؛ لأنه منها، خلافاً للآخر .. "انتهى
|