التبرّك بالنبي صلى الله عليه وسلم

قال محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله في كتاب زاد المسلم:"

في هذا الحديث _[[ أن النبي دعا بقَدَح فيه ماء فغسل يديه ووجهه ومجَّ فيه، ثم قال: { اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما .. } الحديث، وهو متفق عليه ]]_ وغيره من أحاديث الصحيح: أن سنة النبي التي أقرّ أصحابه عليها، بل حضَّهم عليها غاية: هي " التبرّك بكل ما لامسه من ماء أو طعام أو لباس أو مكان ".

ومن ذلك: التبرّك بِعَرَقِه الشريف، وبنخامته الشريفة؛ ففي كتاب الشروط في صحيح البخاري _ في قصّة صلح الحديبية _: أنه كان إذا تنخَّمَ أخذ الصحابة نخامته ودلّكوا بها وجوههم وأجسادهم، وهو ينظر إليهم، وإذا توضأ كانوا يقتتلون على وَضُوئه ( أي: ما تقاطر منه عن أعضائه الشريفة ).

وفي الصحيح: أنه كان إذا حلق رأسَه، دفع شعرَه لبعض أصحابه _ كأبي طلحة الأنصاري _ يُفرقه على أصحابه للتبرّك به.

وكانوا يطلبونه للصلاة في بيتهم؛ ليتخذوا محل صلاته محلا يتبرّك به دائماً، بالصلاة فيه وغيرها، نظير التبرّك بالصلاة قرب مقام إبراهيم ، كما هو في القرآن العزيز في قوله تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى }، وقد أخرج البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه، وكذا مسلم: حديث " طلب عتبان بن مالك منه أن يصلي له في مكان من بيته؛ ليتخذه مصلى، لمّا ضعف بصره وخاف من حيلولة السيل بينه وبين المسجد النبوي، فجاءه النبي في بيته وقال: { أين تحب أن أصلي }؟ فشار إلى ناحية من بيته، فصلى فيها، فصفوا خلفه "، كما هو في الصحيح مستوفى.

وفي صحيح مسلم: أنه وجد أم سليم تجمع عرقه الشريف فتعصره في قواريرها _ لما نام على نطع في بيتها _، فلما استيقظ قال: { ما تصنعين يا أم سليم }؟ فقالت: يا رسول الله، نرجو بركته لصبياننا، فقال لها: { أصبت }؛ فقد أخرج مسلم ذلك بثلاثة أسانيد في باب طيب عرق النبي .

وقد عقد البخاري بابا لتتبع عبد الله ابن عمر لآثاره بين مكة والمدينة بعد وفاته .

وقد أخرج البخاري أيضاً، في باب الشرب من قدح النبي : أن الصحابة كان بعضهم يخرج لبعض قدح النبي الذي شرب منه ليشربوا فيه؛ تبركاً به. وأن عمر بن عبد العزيز استوهبه بعد ذلك للتبرك به، فوهب له، وقد أخرج هذا الحديث المشتمل على قصة تبريك الصحابة وغيرهم بالشرب في قدحه : مسلم في الأشربة من صحيحه، وقال القسطلاني: وفي مختصر البخاري للقرطبي، أن بعض النسخ القديمة من البخاري، قال أبو عبد الله البخاري:" رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت فيه ". وكان اشتري من ميراث النضر ابن أنس بثمانمائة ألف.

إلى غير ذلك من التبرك بآثاره ، فلم يبق محل لإنكار التبرك بذلك إلا ممن لا يصدق النبي فيما أقرّ عليه وأمر به، كما في حديث الباب في قوله: { اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما، وأبشِرا .. } الخ؛ فهو بصيغة الأمر منه ، ومعلوم أنه لا يُقرّ على باطل، ومَن شك في أنه يقر أمراً لهواه! فهو كافر، شاك في صدق القرآن أيضاً؛ لقوله تعالى: { وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى }، وقوله: { ولو تقوّلَ علينا بعضَ الأقاويل } الآية، فلم يبق لكل مسلمٍ إلا الإيمان بكل ما جاء به ( من قول أو فعل أو تقرير )، وقد اجتمع القول والتقرير في هذا الحديث بعينه، كغيره من الأحاديث الصحاح.

ولولا طلب الاختصار، لأشبعت الكلام في المقام، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. "انتهى