حَدِيْثُ السِّيَادَة

في كتاب ( فتح المَنَّان في تحقيق حرِّيَّة الإنسان ):"

قال سيّدنا رسول الله محمد : { أنا سيِّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبيٍّ يومئذٍ ( آدم فَمَن سِواه )، إلا تحت لوائي }.

فائدة: وقوله : { أنا سيد ولد آدم }، تشريع لجواز وصف العبد نَفسَه بما حقَّقَه اللهُ تعالى فيه، لكن لما كان لذلك تبعات خطيرة على النَّفسِ، ينبغي الحذر منها، وهي العجب والكبر، الباعثان على التَّفاخُر، حَذّر السَّادة من كلمة ( أنا )، وقالوا:" إذا قالَ العَبْدُ: أنا، قال الله : { تَعِسْتَ! بل أنا }. وإذا قال العبد: لا بل أنت يا مَولاي، قال المَولى: { بل أنت يا عبدي }؛ فيكون مراده مراد الله فيه ". فلذلك قال : { ولا فخر }، مبيّناً: أن العبدَ معافى ما دام يحدّث عن نعمة الله ، ولا يَقصِد التَّفاخر، وإلا تَعِسَ، والعياذ بالله تعالى.

وقوله : { آدم فمن سِواه }، ولم يَقُل ( فمن دونه ): لأن الخبر عن الدَّرجات، وهي متفاوتة بين الناس، بحيث قد يكون الدّون في الوجود أرفع درجة ممّن قَبله.

تنبيه: واعلم أنَّ أصل الدّرجات خمس مقامات: الرِّسالة، ثم النّبوّة، ثم الصِّدِّيقيّة، ثم الشَّهادة(1)، ثم الصَّلاح، على هذا التَّرتيب، بحيث أنّ أدنى درجات الرِّسالة مُنقطعة عن أعلى درجات النُّبُوَّة، وهكذا ..

وأنَّ الرّسالة والنُّبوة منقطعان عمّا دونهما، مُباينان له؛ لأنهما غير مُكتسبان، ثم لا حُصولَ لهما بعد سيّدنا رسول الله محمد ؛ لأنَّه خاتم الأنبياء والمُرسَلين عليهم الصلاة والسلام. فالأولياء: من الصّديقين والشهداء والصالحين في حواشيهما، مفزعهم إلى أهلهما.

تنبيه: واعلم أن مقام الصلاح المذكور غير الصلاح المصطلح عليه في وصف الأولياء؛ إذ هو باعتبار الوصف أعم منه باعتبار المقام، وإنما اصطلح عليه كذلك: لجوازه لغةً.

فكل صِدِّيقٍ صالح، وليس كل صالحٍ صِدِّيق. "انتهى

---------------------------

(1)- ليس المقصود بمقام الشهادة هذا الموت في الجهاد، ولكن في المجاهدة، كما بين حضرة الشيخ حفظه الله في غير هذا المَوضِع.