|
قتال المسلمين قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي رحمه الله في كتاب (بهجة النفوس:1/56-60):"
عن أبي بَكْرَةَ
ظاهر الحديث: يدلُّ على لحوق الوعيد بمن اتَّصف بهاتين الصِّفَتَين المذكورتَين. والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
قوله ظاهر اللفظ العُموم وليس هو كذلك في الحقيقة، وإنما هو محمول على الخصوص؛ وبيان ذلك: أنهما قد يلتقيان بغير قصد، وإذا وقع القتل على هذه الحالة كان قتل خطأ، والإجماع قائم على سقوط الإثم عن قاتل الخطأ. وقد يكون التقاؤهما على اختلاف تأويل، فيكون كل منهما تأوّل فظهر له في تأويله الحقَّ فقاتل على الحق، وإذا كان قتالهما على هذه الحالة لم يتناولهما عموم الحديث، ومثل ذلك: قتال بعض السلف وهم مشهود لهم بالجنَّة ( الفريقان معاً ). وقد يكون التقاؤهما لتعلم الحرب، فتكون الضربة خاطئة فيقع القتل ولا يقع عليه الوعيد لأنه خطأ. وقد يكون أحدهما يدفع عن نفسه والآخرُ طالب له بالظلم، فيتأول الوعيد الظالم ولا يتأول الآخر. ولهذا وجوه عديدة يطول تتبعها. فبان بهذا: أن اللفظ محمول على الخصوص لا على العموم، والخُصوص: هو أن يكون كل واحد منها قاصداً لقتل صاحبه ظلماً وعدواناً بغير تأويل ولا شُبهة ولا حق.
وهنا تنبيه لمن أتاه لص أو محارب
ليسفك دمه أو يأخذ ماله: أن لا يُقاتله بنيَّة أن يسفك دمه، وإنما
يقاتله بنيَّة أن يدفعه عن نفسه وماله، فإن خرجت الضربة منه خاطئة فمات بها
اللص كان شر قتيل، وإن قتل هو كان شهيداً؛ لقوله
الوجه الثاني: فيه دليل لأهل السنة في كونهم لا يكفرون أحداً من
أهل القِبلة بذنب؛ لأنه
الوجه الثالث: لقائل أن يقول: لِمَ خصّ
والجواب: أن ذلك من باب الخاص والمراد به العام؛ لأن السيوف كانت في الغالب
من عدة العرب، ففيه
الوجه الرابع: قوله
أما صيغة قوله
فبان بهذه العلة التي أعطاها
الوجه الخامس: فيه دليل على أن بعضَ العصاة من هذه الأمة يدخلون
النار؛ لأنه
عليه السلام
سماهما مسلمين وأخبر بأنهما يدخلان النار، وقد زاد
الوجه السادس: إخباره عليه السلام عن القاتل بدخول النار، هل المراد به التأبيد تاب أو اقتُصَّ منه، أو في الحال فغن تاب أو اقتصّ منه ارتفع الإثم عنه ولم يدخل النار؟ قد اختلف العلماء في ذلك خلفاً وسلفاً: فمن قائل يقول ليس له توبة ( وهو ابن عباس وزيد بن ثابت في أحد قوليهما )، ومن قائل يقول له توبة وهو المشهور ( وهو مذهب أهل السنَّة ).
واحتج الأولون بقوله تعالى: { ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها،
وغضب
واحتج الآخرون بالآي والحديث: أما الآي: فقوله
تعالى: { ولا يقتلون النفس التي حَرَّم
وقد كان بعض العلماء إذا سُئل هل للقاتل من توبة؟ ينظر في حال السائل فإن ظهرت له تهمة القتل قال: له توبة، وإن ظهرت له منه الشراهة وإرادة الإقدام على القتل قال: لا توبة له، فبلغ ذلك بعض الفضلاء من العلماء فاستحسنه. هذا ما تضمَّنه اختلافهم في التوبة.
وأما
القِصاص، فقد اختلفوا فيه أيضاً: فمن قائل يقول بأن القصاص لا يرفع الإثم،
واحتجوا له بقوله تعالى: { ولكم في القصاص
حياة يا أولي اللباب } فقالوا: إنما جعل القصاص مصلحة للناس وردع بعضهم عن بعض،
والمقتول المظلوم حقه باق يأخذه يوم القيامة.
ومن قائل يقول يرفع الإثم إذا وقع القصاص،
واحتجوا بالحديث الذي تقدم قبل هذا(1)
وهو نصّ في الباب، وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه لقوله تعالى: { لتبين للناس ما نزل إليهم }
وهو
الوجه السابع: إخباره
--------------------- (1)_ يعني حديث البيعة وهو: عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعُوقِبَ في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله عز وجل فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه }، فبايعناه على ذلك.
|