النظر إلى القلوب

في كتاب بهجت المحبوب:" 

.. قال سيّدنا رسول الله محمد : { إنَّ تعالى لا يَنْظُرُ إلى أجْسَامِكم ولا إلى صُوَرِكُم، ولكن ينظر إلى قلوبكم }.

إشارة: وقوله : { إن تعالى لا يَنْظُرُ إلى أجسامِكم } يعني: لا يؤاخِذكم على الفِطْرَة الحِسِّيَّة ما لم تتحَرَّك، فإن تحرَّكت إلى القُلوب حَرَمَتها نَظَرَ الفَضْلِ الخَاصِّ من الله تعالى إلى رَقابَتِه، فإن اكتسبت القُلوبُ بها إثماً دخَلَت في نَظَر العَدل من الله تعالى؛ كما قال : { ولكن يؤاخذكم بما كَسَبت قلوبُكم }.

وكذا يُقالُ في الصُّوَر: لا يُؤاخِذُ اللهُ تعالى عليها، لكن من نازلها قلبَه حُرِم نظر الفضل إلى الرَّقابَة، ومَن فُتِنَ بها نُظِرَ إليه بالعَدل.

وذلك لأنَّ نَظَر الله تعالى إلى العِباد ثلاثة وجوه: الفَضْل، والعَدْل، وبينهما: الرَّقابة؛ والفَضْلُ ضربان: خاصّ وعامّ، فَمَن أخْلَصَ القَلبَ لله دخل في الخَاصِّ، ومَن أشرَك فيه شيئاً دخل في الرَّقابةِ في ظِلِّ الفَضْلِ العَامِّ، ومَنْ كسب سوءاً بِشِركه دخَلَ في العَدل.

وقد بَشَّرَ اللهُ تعالى على الفَضْلُ بالبَذْل، وعلى العَدل بالعَزْل، وعلى الرّقابةِ بالعَذْل ثمَّ الرَّدِّ إلى البَذْل أو العَذْل بحسب المشيئة؛ قال : { وإنْ تُبْدُوا ما في أنفُسِكم أو تُخْفُوه يُحاسبكم به فَيَغفر لمن يشاء ويُعَذّب من يشاء }، فلما سُئل عن الإنْشَاءِ قال: { لا يُكَلِّفُ نَفْساً إلا وُسعها }، ففَرَّق بين وجود الإنشاء وبين التَّعدِّي به إلى القَلب.

فمعنى الخَبَر: أن الله تعالى لا يُحاسِبُ على إنْشَائِهِ إلا المُتَعَدِّي به، ولا يتَفَضَّل بالخُصُوصيَّة إلا للقلبِ المُوَحِّدِ المُتَجَرِّد عن السِّوا. "انتهى