|
حلاوة الإيمان
قال الشيخ أبو
محمد عبد الله ابن
أبي جمرة الأندلسي رحمه الله في كتاب (
بهجة النفوس:
1 / 25 - 28 ):"
عن أنسٍ أن النبيَّ
قال: { ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجَدَ حلاوة
الإيمان: أن يكون
ورسُولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأن يُحِبَّ
المرءَ لا يُحِبُّه إلا لله تعالى، وأنْ يكرَه أن يعودَ في الكُفرِ كما
يكرَهُ أن يُقذَفَ في النّار }.
ظاهر هذا الحديث:
يدلّ على أنّ الإيمان على قسمين: بحلاوة، وبغير حلاوة، ومنه قوله
: { الإيمان إيمانان: إيمان لا يدخل صاحبه
النار، وإيمان لا يخلد صاحبه في النار }،
فالإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار: هو ما كان بالحلاوة، والإيمان الذي لا
يخلد صاحبه في النار: هو ما كان بغير حلاوة.
والكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول:
" الحلاوة " المذكورة، هل هي محسوسة أو معنويّة؟ قد اختلف العلماءُ في ذلك:
فحملها قوم على المعنى ( وهم الفقهاء ).
وحملها قوم على المحسوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأوّلوه ( وهم
أهلُ الصُّفَّة )، والصَّوابُ معهم في ذلك والله أعلم؛ لأنَّ ما ذهبوا إليه
أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل، وهو أحسَن من التأويل ما
لم يعارض لظاهر اللفظ معارض.
ويشهد لما ذهبوا إليه: أحوال الصحابة
والسّلف الصالح وأهل
المعاملات؛ لأنَّه قد حُكِيَ عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة:
فمِن جملة ما حُكي في ذلك: حديث بلال
حين صُنِع به ما صُنع في
الرَّمضاء إكراهاً على الكفر وهو يقول:" أحدٌ أحدٌ " فمزج مرارةَ العذاب
بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضاً عند موته: أهله يقولون " واكرباه "، وهو
يقول:" واطَرَباه ..
غداً ألقى الأحِبَّة
محمـداً وحِزبَه
فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء ( وهي حلاوة الإيمان ).
ومنها: حديث الصحابي الذي سرق فرسه بليل وهو في الصلاة فرأى السارق حين
أخذه فلم يقطع لذلك صلاته فقيل له في ذلك فقال:" ما كنت فيه أكبر من ذلك "،
ولا ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك.
ومنها: حديث الصحابيين اللذين جعلهما النبي
في بعض مغازيه ليلةً يحرسان جيش المسلمين فنام أحدُهما وقام الآخر يصلي
فإذا الجاسوس من قِبل العدو قد أقبل فرآهما فكبدَ الجاسوسُ القَوسَ ورمى
الصحابي فأصابه فبقي في صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه فلم يقطع
لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه فعند ذلك أيقظ صاحبه وقال " لولا أنّي
خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي "، وما ذاك إلا لشدة ما وجد فيها من
الحلاوة حتى أذهبت عنه ما يجده من ألَمِ السِّهام.
ومثل هذا ما حُكي عن كثير من أهل المعاملات يطول الكلام عليه وفيما ذكرناه
كفاية.
الوجه الثاني: قوله
: { أن يكون
ورسُولُهُ أحبَّ إليه
ممَّا سِواهما، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا لله تعالى، وأنْ يكرَه
أن يعودَ في الكُفرِ كما يكرَهُ أن يُقذَفَ في النّار }
هذه الثلاثة الألفاظ ترجع إلى اللفظ الأول منها: وهو " أن يكون الله ورسوله
أحبَّ إليه مما سواهما "؛ لأن من ضرورو المحبَّة لله ولرسوله أن يدخل من
ذكر بعد في ضِمنه، لكن فائدة أخباره
بتينك الحالتين اللتين ذكرتا بعد ذلك اللفظ يريد به:
أن مَن ادّعى حبّ الله وحب رسوله
فليختبر نفسَه في حبِّ المرء لماذا يحبّه؟ وفي الإكراه على الكفر كيف يجد
نفسه إن ابتلي بذلك؟ لأنه قد يسبق للنفوس دعاء بحب الله وحبّ رسوله
،
فجعلَ
هاتين العلامتين تفرق بين الدَّعوى والحقيقة. ومثل هذا: قوله عز وجل: { وعلى
فتوكلوا إن كنتم مؤمنين }؛
لأن حقيقة الإيمان: أن يتوكل صاحبه في كل أموره على ربّه ويعتمد عليه، وإن
كان بغير ذلك فإنما هو دعوى. وكذلك من ادّعى حب الله وحب رسوله
ثم لم يصدق في تينك العلامتين المذكورتين فحبه دعوى لا حقيقة.
الوجه الثالث: يرد على الحديث سؤال وهو أن يقال: لم عبّرَ
عن تناهي الإيمان بالحلاوة ولم يعبر عنه بغيره؟!
والجواب: أنه إنما عبَّر
بالحلاوة لأنّ الله قد شبَّه الإيمانَ بالشَّجرة في كتابه حيث قال: { ومَثَل كلمة طيبةٍ كشجرةٍ طيبة أصلها ثابت
وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها }،
والكلمة الطيبة: هي كلمة الإخلاص، وهي أسّ الدين وبها قوامه.
فكلمة الإخلاص في الإيمان كأصل الشجرة لا بد منه أولاً، وأغصان الشجرة في
الإيمان عبارة عما تضمّنته كلمة الإخلاص من اتباع الأمر واجتناب النهي،
والزَّهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطنه من أفعال
البِرّ؛ لما رُوي عنه
: { أن من همّ بحسنة خرجت على فيه رائحة عطرة،
فيشمها الملك فيكتب له حَسَنة }، والزهر في
الشجرة كذلك له رائحة عطرة، وما ينبت في الشجرة من الثمر هو في الإيمان
عبارة عن أفعال الطاعات، وحلاوة الإيمان في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن
كماله، وعلامة كماله ما ذكره
في الحديث؛ لأن غاية فائدة الثمر تناهي حلاوة ثمرها وكماله، ولهذا قال
تعالى: { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها }
وأكلها على أحد الأقاويل دائم. فثمرة المؤمن لا تزال أبداً بين زهر وإبار
وبدء صلاح وتناهي طيب، فلم تزل معطرة مثمرة يانعة دائمة، ولهذا فضلت شجرة
الإيمان على غيرها؛ لأن الشجرة عدا شجرة الإيمان يأتي فيها كل شيء فريد ثم
يذهب عنها كل ذلك في بعض السنة، فالزهر فريد والإبار فريدة وبدء الصلاح
فريد وتناهي الطيب فريد، والمؤمن لا يزال ثمرة إيمانه بمجموع ذلك كله رائقة
عطرة، ولهذا المعنى قال
: { نيَّة المؤمن أبلغ من عمله }،
قال العلماء: معناه أن المؤمن في عمله ونيَّته عند فراغه لعمل ثان، فالزهر
هو النيّة، والثمر هو العمل الصالح، وبدو الصلاح هو اتباع السنة في العمل؛
لقوله
: { إن
لا يقبل عمل امرئٍ حتى يُتقنه }،
قالوا: يا رسول
، وما إتقانه؟ قال: {
يخلصه من الرياء والبِدعة }، فترك السنة في
العمل عاهة فيه تمنع من بدوّ صلاحه، فإذا لم يبد صلاحه فمن باب أولى أن لا
يصل إلى تناهي الحلاوة.
ويرد على هذا بحث دقيق؛ لأن الثمرة إذا لم يبد صلاحها لا يجوز بيعها بمقتضى
منع الشارع
ذلك، والبيع في هذه الثمرة هو القبول؛ لقوله
: { إن
اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن
لهم الجنّة } الآية، ولهذا المعنى أشار
بقوله: { إن لا يقبل عمل امرئٍ حتى
يُتقِنه }، فإذا لحقت العاهة فلا إتقان، فلا
يكون قبول، وهذه هي دائرة بعض العوامّ لجهلهم بالسنة وإن كان بعضهم يدعي
علوماً فإن كل علم يجهل صاحبه السنة داخل تحت قوله
: { إن من العلم لجهلا }.
وتناهي الطيب إنما يكون للخواص، وكيفية تناهي الطيب في العمل: هو أن يعمل
العمل حبا في الله وفي رسوله
على ما جاء في الحديث، لا يريد غير ذلك فيكون عمله مشكوراً لقوله
: { إنما نطعمكم لوجه
.. }
إلى قوله { وكان سعيكم مشكورا }،
فلأجل هذه النسبة وهذا الاتحاد الذي بين الشجرة والإيمان عبَّر
في الحديث بالحلاوة ولم يعبّر بغيرها، ليقع المثالُ في كل الحالات.
ومنه قوله : { الناس كشجر ذات جنا ويوشك أن يعود كشجر ذات
شوك .. } الحديث، فشبّههم
أيضاً بالشجر وهم كذلك لا شك فيه:
لأن من تقدم من السلف كان إيمانهم كاملاً بتتبعهم للأمر والنهي وحبِّهم لله
ورسوله
والنصيحة التي كانت بينهم حتى لقد كانوا إذا التقى بعضهم مع بعض يقولون " تعال نؤمن "،
فكانت شجرة إيمانهم تناهت في الطيب والحلاوة.
وأما اليوم! فقد ذهب ذلك وظهر ما أخبر به
لرجوعهم كشجر ذات شوك لعدم اتباعهم للأمر والنهي وترك النصيحة بينهم والغش
الذي في صدورهم، فرجع موضع النصيحة غشا وموضع الامتثال مخالفة فلم يبق معهم
من صفة الإيمان في غالب أحوالهم إلا النطق بالكلمة، وما عداها من الأفعال
بضِدّ ما يقتضيه الإيمان، فبقي لهم الأصل وذهبت ثمرته التي هي الأعمال كما
هي شجرة السّدر مع شجرة الثمر إذا أبدلت مكانها: فالأولى كانت تطعم الثمر
وله حلاوة، والثانية تنبت الشوك.
هذا هو حال عامتهم اليوم اللهم إلا القليل النادر لقوله
: { لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى
قيام الساعة لا يضيرهم من خالفهم }، فهذه
الطائفة التي أخبر بها
هي التي لم تزل ثمرة تطعم وتتناهى في الحلاوة كما كان السلف
،
ولولاهم ما أمطرت السماءُ قطرة ولا أنبتت خضرة ولَوَقَع الهلاك بمن تقدّم
ذكرهم، ولكنه يُمهلهم لمجاورتهم لأهل الإيمان المتحقّقين إكراماً
لأوليائه وترفيعاً، جعلَنا الله من أوليائه بمَنِّه ويُمْنِه.
"انتهى
|