الدنيا والأولياء

في كتاب بهجت المحبوب:" 

.. أخبر سيّدنا رسول الله محمد عن حالِه بقوله: { حُبِّبَ إليَّ مِن دُنياكم النِّساءُ والطِّيب وجُعِلت قُرّة عيني في الصَّلاة }.

فقوله: { حُبِّب إليَّ }: إشارة إلى تجرّده عن الدّنيا على الحقيقة غير أن الله تعالى تفضَّل عليه بما ذَكَرَ على سبيلِ الإنعام، كما أنه يُعطي أهل الجَنَّة ذلك كذلك، فلا يكون تعاطيه صَرفاً ولا إعاقة عن الكمال.

وقوله { من دنياكم }: يخاطب أصحابه ، وهذا يعني الدنيا الحسنة لا على الإطلاق، وهذا يُؤكّد ما قَدَّمت في مفهوم الإشارة بقوله: { حُبِّبَ إليّ }.

وذكره للنساء والطِّيب في المُحبَّبات: يُبيّن أنها لذَّة بذاتها، وإنما السبيل على السَّالكين: التقوى والورع والزهد فيها.

وقوله بعد ذلك: { وجُعِلت قُرّة عيني في الصَّلاة }: تأكيدٌ على أن اللذَّة المُباشِرة للنَّفس أعظم قَدراً من المُتَوَسَّطة بالجِسْمِ؛ إذ الصَّلاة صِلة بالله تعالى وغذاء للروح.

فائدة: ومن هذا الباب: بقاء سيّدنا رسول الله محمد وخلفائه وورثته في صُحبة الناس وانكشافهم لهم، وإلا فإنَّ المَقامَ يُوجِبُ الفَناءَ؛ قال الله تعالى: { من كان يرجو لقاء الله فإن أجلَ الله لآتٍ }، والإشارة: أن الوُصولَ إلى الله تعالى يُميت العَبد عن السِّوا، فيكون كما قال الحسن بن علي بن يزدانيار في صفته:" إذا بدا الشاهد، وفنى الشواهد، وذهب الحواس، واضمحل الإخلاص "اهـ، وقال الإمام ذو النون عن نهاية العبد في تحقيق الولاية:" إذا كان كما كان حيث كان قبل أن يكون "اهـ.

قال الإمامُ السُّلمي :" فإذا بَلَغ اللهُ بعَبْدٍ من عِباده إلى مقامِ تحقيقِ الوِلاية .. كما ذَكَر : { إنَّا أخْلَصْناهُم بِخَالِصَةٍ ذِكرى الدَّار * وإنَّهم عندنا لَمِنَ المُصطَفين الأخيار }، وحال من هَذه صِفَتُه: أن تَنْدَرجَ صِفَتُه من هذه الصِّفات، فيكون العَبدُ خالياً من صِفاتِه وطَبايعه، يتكلَّمُ عن صَرْفِ حقٍّ، ويُخْبِرُ عن صَفاء حَقيقَةٍ ..

ثمَّ إذا بَلغَ اللهُ بعبدٍ من عبيدِه هذه المَراتب، آواه إلى قُربِه، وآنَسَهُ بِذِكره، وأوحَشَه من الأغيار. فربّما كَشَفَه للخَلقِ لِمَحَلِّ القُدرة ورجوع المُريدين في مَقاصِدِهم إليه، فأباح ظاهره للخَلقِ رحمةً منه بهم؛ إذ لو فَقَدوا عِلمَه وخُلُقَهُ وأدَبَه لَضَلُّوا في سلوكهم وقَصْدِهم، ودخلوا في محلِّ الغُرور، لكنهم بأنوار هؤلاء الأئمَّة يَسْتَضِيئون، وبإرشادهم يسترشدون في سعيهم ومقْصَدِهم ..

وإذا أظهَرَ وليّاً من أوليائه للخَلق، أسقَطَ عنه محلّ الفِتنةِ، فلا يكون فاتناً ولا مَفتوناً "اهـ، فلذلك قال اللهُ تعالى: { لقد كان لكم في رسول اللهِ أسوة حَسَنَة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذَكَرَ اللهَ كثيراً }.  "انتهى