حديث الأصابع

:"

قال سيَّدنا رسول الله محمدٍ : { قلبُ المُؤمِن بين أصبعين من أصابع الرحمن }، يعني بينَ سبيلين هما الحَقِّ والباطِل، قال سيَّدنا رسول الله محمدٍ : { إنّه ليس آدَميّ إلا وقَلبُه بين أصبعين من أصابع الله، فمَن شاء أقامَ، ومن شاء أزاغ }، فإن هو وُفِّق للتَّحَقُّقِ من التَّوحيد أُقِيْمَ، وإلا أُزِيْغَ والعياذ بالله تعالى ..

لطيفة: والتَّشبيه بالأصابع: من أبلَغِ التَّشبيه؛ إذ هي مُتَشَابِهَة، غير أن لكلٍّ منها صِفةٌ دقَّ إدراكُها على غير المُتحقِّق، فإنا ما أدركنا بعضَ صِفاتها إلا لتحقُّقِنا منها، وإلا فإن فاقد الحِسِّ فيها يظنها متساوية إلا بما أدْرَك من فرق المَظهَر. وهذا تماماً صفة صراط الله تعالى المُستقيم.

لذلك قال : { وأنَّ هذا صِراطي مُستقيماً فاتَّبعوه ولا تَتَّبعوا السُّـبُلَ فتَفَرَّق بكم عن سبيله ذلكم وصَّاكم به لَعَلّكم تتَّقون }، والتَّعبيرُ بالاتِّباع: فيه تنبيه على التَّقَيُّد بالكتاب والسُّنَّة؛ إذ لا يكون الاتِّباع إلا مع وجود داعٍ من دليل أو شُبْهَةٍ، ومن ثم قال سيَّدنا رسول الله محمدٍ : { مَنْ أحْدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه: فهو رَدٌّ }، يعني: مَنْ ادَّعَى أمْراً في الدِّيْنِ مِنْ غير دليلٍ شَرْعِيٍّ عليه، فليس هو منه، بل بِدْعَة ضَلال باطِلَةً مَرْدُوْدَةً على المُدَّعِي.

ونِسْبَة التقلّب إلى الله تعالى: إشعارٌ بأنَّه المُتَوَلِّي لأمر القلوبِ، ولَمَّا كان ذلك عامّاً على ما أشَرنا، فهو أعظم للخاصَّة؛ لِما يجِدونه مِن الغَيْبَةِ.

فائدة: وقد وقفت للإمام الكلاباذي البخاري في بحر الفوائد على شرح مُوَفّق لهذا الحديث، قال: (( وَصَفَ النبي صلى الله عليه وسلم الرّبَّ بالأصابع كما وصف الله تعالى نفسَه باليد والسّمع والبَصَر، فقامت الدلائلُ: على أن يدَه وسمعه وبَصَرَه ليست بجوارح ولا أعضاء ولا أصابع ولا أجزاء؛ إذْ هو عز وجل واحدٌ أحدٌ صمدٌ فرد، بعيدٌ عن أوصاف الحدث وعن شِبه المخلوقين، { ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير }. فعلينا الإيمان به، والوصف له بما وصف نفسَه به، ونفي أوصاف الحَدَثَ عنه، وتنزيهه عن التّشبيه والكيفيَّة والدّرْك إلا مِن حيث الإقرار به والإيمان والتّصديق له.

فكذلك ما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الإصبع، فعلينا التّسليم له والإيمان به والتّصديق على أنها: صفة له على ما يستحقّه ويليق به، مِن غير كيفيّة ولا إدراك ولا تشبيه ..

فالإصبع صفة لله عز وجل، ومِن صفاته العَدل والفَضل، فيجوز أن يكون معنى قوله { بين إصبعين } أي: بين صِفتين من صفات الله عز وجل، ويَعني بالصِّفتين: الفضلَ والعَدل .. لقوله { يُقلبها }، فيكون التّقليب عن حالتين مختلفتين.

كما قال في حديث آخر: { يُقلبها الريح ظهراً لبطن، فإذا قلب قلبَ عبدٍ إلى هُدى فهو فضل منه، وإذا قلبه إلى ضلال فهو عدل منه }، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُكثر أن يقول: { يا مُقلّب القلوب }، ويسأله التّثبيت.

فاللهُ تعالى يُقلّب قلوب أعدائه بِعَدْلٍ، والعَدل: صفة له. فهو يُقلّب قلوبهم من حال إلى حال، وكلّها إرادة الشّر بهم والضّلال؛ لقوله عز وجل: { أولئك الذين لم يُرِدِ اللهَ أن يُطَهّرَ قلوبهم }، فهو يجعل في قلوبهم المَرضَ، ويُقلِّبها مِن المَرضِ إلى الزَّيغ، ومِنَ الزَّيغ إلى الرَّيْن، ومن الرَّيْن إلى أن يجعلها في أكِنَّة، ومنها إلى الطّبْع، ومِن الطّبع إلى الختم، وذلك عدل منه، وهو يُضلّ من يشاء، ويَهدي مَن يشاء؛ قال الله عز وجل: { في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً }، وقال جل جلاله: { فلمّا زاغوا أزاغ الله قلوبهم }، وقال عز وجل: { كلا بل ران على قلوبهم }، وقال جل جلاله: { وجعلنا على قلوبهم أكنّة }، وقال جل جلاله: { بل طبع اللهُ عليها بكفرهم }، وقال عز وجل: { ختم الله على قلوبهم }، فهو عز وجل يفعل ذلك بالمنافقين والكافرين دون المؤمنين المخلصين، وله أن يفعل ما يشاءُ؛ إذْ هو المالِكُ لهم، لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون، يَفعل ما يشاءُ ويحكم ما يُريد.

فعلى هذا يُقلّب قلوب أعدائه ومَن سبق له مِن الله تعالى الشَّقاءَ فكفر وجحد وأشرك ونافَق؛ تعالى الله عن ظُلْم عباده علوّاً كبيراً.

ويُقلّب قلوبَ أوليائه بِفضله من حال إلى حال، وكلها إرادة الخير لهم؛ ليهتدوا ويُوفّقوا، ويزيدهم إيماناً، قال الله تعالى: { ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم }، وتثبيتاً لهم كما قال الله عز وجل: { يُثَبِّت اللهُ الذين آمنوا بالقول الثَّابت في الحياة الدنيا وفي الآخِرة }.

فقلوب أولياء المؤمنين المخلصين الذين سبقت لهم منه الحسنى تتقلّب بين الخوف والرّجاء، واللين والشِّدَّة، والوَجل والطَّمأنينة، والقَبْضِ والبَسط، والشَّوق والمحبَّة، والأنس والهَيْبَة، والله تعالى يُقلّبها بِفَضله، قال الله تعالى: { ثمّ تلين جلودُهم وقلوبُهم إلى ذِكر الله } وقال الله تعالى: { أولئك الذين امتحن اللهُ قلوبهم للتقوى }، وقال الله تعالى: { ولا تأخذك بهما رأفة في دين اله }، وقال الله تعالى: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب }، وقال: { أفمن شرح الله صَدره للإسلام }، وقال الله تعالى: { والذين آمنوا أشد حباً لله }.

فقلوب عباده تتقلب بين هاتين الصِّفتين: العَدل والفضل، وهو يُقلِّبها، له الخَلْقُ والأمر بين الهدى والضَّلال، ومِنْه التثبيت والإزالة، له الحُكم، وإليه المصير.

وقلوب عامّة المؤمنين تتقلّب بين أحوال مختلفة: بين يقين واضطراب، وغفلة وتيقّظ، وسكون إلى الدنيا وميل إلى الآخرة، مرَّة إلى هذا ومرَّة إلى هذا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما:" إنما سُمّي القلب قلباً: لأنه يتقلب ".

وقال بعض الحكماء:" ما من شيء أشد على العبد من حفظ القلب؛ بينما يجول حول العرش حتى تراه يجول حول الجنس ".

وقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه:" إنما على العبد: ذمّ جوارحه، وحفظ حدود الله، وكفّ النّفس عن شهواتها؛ فإذا فعل ذلك حفظ الله تعالى قلبه، وأصلح سِرَّه ".

وفي بعض الروايات:" مَن أصلحَ ربَّانيَّتَه أصلحَ الله تعالى جوانِبَه "، معناه: من أصلحَ ظاهِرَه بِذَمِّ جوارحه، وحفظ حركاته، أعانه الله تعالى على حفظ قلبِه. )) اهـ "انتهى