|
قِدَم العَالم
اعلم أيها القاصِد: أن شرعَ الله تعالى وشهادة العقلِ الرّاشِد على خلاف زعْمِ [[ بعض المبتدعة: تسلسل الحوادث أزلاً، المعروف بقِدَم العَالَم بالنَّوْع ]]، وهو ما ستعلمه من خلال نصوص النقل والعقل الآتية، مع ضرورة الانتباه ابتداء: أن أهل البِدَع يخالفون صحيح المعقول كما يخالفون محكمات المنقول، فأرجو منك التأمل فيما سنورده من النقل، لتربط به شواهد العقل، فلا تتأثر بسفسطة أهل البدع وبهرجة كلامهم. والله تعالى الموفّق v فأما المنقول من ( شرع الله تعالى )، ففي القرآن: قال الله تعالى: { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ }[ الحديد: 3 ]، مبيّناً أن ( القِدَمَ واللاعَدَم )، يعني: الأوَّليّة الأزليَّة ووجوب الآخِرِيَّة الأبديّة صفةٌ له سبحانه وتعالى وحده، فنفي بدعة [ المُدَّعي ] في حكم الوجود فضلاً عن غيرها. وفي الخبر: { لا يزال الناس يتساءلون عن كل شيء حتى يقول: لو كان اللهُ قبلَ كل شيء فما كان قبل الله؟! فإذا قالوا لكم ذلك فقولوا: كان الله قبل كل شيء وليس قبله شيء، وهو الآخر بعد كل شيء وليس بعده شيء، وهو الظاهر فوق كل شيء وليس فوقه شيء، وهو الباطن دون كل شيء وليس دونه شيء، وهو بكل شيء عليم، فإن هم أعادوا المسألة فابصقوا في وجوههم، فإن لم ينتهوا فاقتلوهم }. وفيه فضلاً عن إفراد الله تعالى بالأولية والآخريَّة: بيان وجهٍ من لغة ( قَبْل )، وتفسير عزيز لقول الله تعالى: { هو الأول والآخر والظاهر والباطن }؛ إذ بيَّن الإفرادَ بالأوليَّة والأبديّة مع انتفاء الزمان في القسم الأول، والإفرادَ في وجوب الوجود المُنَزّه عن المكان ولوازمه وغير ذلك من معاني الخلق في الآخَر. وهو حق لا شك فيه عند كل سُنِّي عاقل رشيد. وقال سبحانه وتعالى: { قُلِ اللهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ }[ يونس: 34 ]، مبيناً ابتداء المخلوقات وإمكانها، فامتناع الإيجاب بالذات المانع من ابتداء المُوْجَب _ فضلاً عما يترتب عليه من المفاسد _؛ لكون الله تعالى أولاً لا ابتداء لوجوده على التحقيق، لا على التقدير.
وقال
وقال
وقال ولا مجال أن يُقال: المراد ( كل شيء من هذا العالَم )؛ لأنه تعالى استثنى نفْسَه مبيناً أن المراد: مطلق الشيء. فضلاً عن القول بأن ذلك في الأعمال!! كما زعم [ المُدَّعي ]؛ فإنه فضلاً عن كونه تقييداً بلا مُقيِّد: مخالف للقرائن الواردة في نفس الآية فضلاً عن غيرها، فإن نص الآية: { ولا تدع مع الله إلهاً آخر. لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه }. فتأمل
ومن ثم كان:
{ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ }[
المؤمنون: 88 ]؛
إذ خلاف ذلك خارج عن ملكه، وقال تعالى: { وإن
والآيات في هذا الباب كثيرة، نكتفي بما تقدم وهو كافٍ. وننتقل إلى السنة النبويَّة:
فقد قال سيدنا رسول الله محمد
ويهديك لاتفاق الروايات على معنى أحديَّة الله تعالى في الأوليَّة غير ما
هو ظاهر من ألفاظها: خبر:
{ لا يزال الناس يقولون كان الله قبل كل شيء
فمن قبله }، وقوله
ولا يُقال: المراد ( بعدك من هذا العالَم )؛ لأنه تعالى استثنى نفسَه، وليس هو سبحانه من هذا العَالَم، ما يعني: أنه أراد الأشياء مطلقاً، وهي: كل ما سواه سبحانه. وقد تقدم الإشارة إلى لغةٍ في ( قبل ) تناسب المقام. [[ .. حذف من أول صفحة (33) إلى بداية صفحة (35)، وفيها رد مباشر على المُدَّعي في تحريفه خبر بدئ الخلق .. ]] فائدة: والحكمة من تعدد الألفاظ التي يمكن الجمع بينها في روايات المسألة الواحدة: حفظ مراد الشَّارع، مصداق قول الله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }. [[ .. حذف من بداية صفحة (35) إلى آخر صفحة (36) وفيها تتمة الرد المباشر على المُدَّعي وبعض أتباعه .. ]]
وقال
بل قال
فائدة: وفي رواية لهذا الخبر: { فإذا بلغه } أي: خاطرُ السؤالِ المذكور، { فليستعذ بالله، وليَنْتَهِ } أي: يترك التفكّر في ذلك الخاطر مُسَلّماً للضرورة. وفي رواية: { فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله }، أي: أكتفي بما صدّقته من ضرورة أحديَّة الله تعالى، وهو ما جاء في رواية: { فقولوا: الله أحد، الله الصمد }. وذلك يفيد: النصّ على قاعدة أهل الحق في ( العجز )، وأن ( العقول تثبت ما لا تُدرك )، ولذلك جاء في رواية: { ذاك صريح الإيمان }، وفي رواية: { تلك محض الإيمان } أي: علمكم بالعجز _ وهو: المنصوص عليه بقوله تعالى: { لا تُدركه الأبصار } _، وإيمانكم بالغيب الذي دعاكم لإثبات الغيب دون قياسه على المُدركات، هو محض الإيمان وصريحه، المُشار إليه بقول الله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب }. فتنبه لهذا فإنه مهم
ومن ثم قال
والأخبار في هذا الباب كثيرة أيضاً، غير أنا نكتفي بما تقدم وهو كافٍ. وننتقل إلى دعاة الله تعالى من أئمة المسلمين وأعلامهم:
فقد قال إمام الحَرمين
وقال القاضي عياض
والفصل البَيِّن في هذا: أن
كل مقالة صرَّحت أن معه
[ [[ .. حذف من نهاية صفحة (38) إلى نهاية صفحة (43)، وفيها رد مباشر على المُدَّعي في خرقه الإجماع .. ]]
و
[[ .. ]] قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي
[[ .. حذف من آخر صفحة (43) إلى بداية صفحة (45)، وفيها رد مباشر على وجه من بدعة المُدَّعي .. ]] وأقوال أفراد العلماء: قد تقدم وسيأتي بعضها، ويمكن طلب المزيد من كتب الأصول، لأنا نكتفي هنا بما نقلنا، سيما الإجماع وهو كافٍ. v وأما المعقول من ( نظر العقل الراشد ) الشاهد الموافق لشرع الله تعالى: فنقول بعون الله تعالى: اعلم أن الحشويّة وعلى رأسهم في الحشو [[ المُدَّعِي ]]، قد أكثروا الاعتراض على كلام أهل الحق المعقول في أصول الدين، بينما تكلموا هم دون اعتراض على أنفسهم!! وبالجملة: فدأبهم التناقض، وإحلال الأمور وتحريمها على وفق الهوى. والمطلوب هنا: أن تعلم أن [[ المُدَّعِي ]] ركّز في تقرير بدعته على دعوى وقوفنا على حدود، ظن أو أوْهَم أنه بدوره لم يقف عند حدود لو أبصرها أو حققها لعلم أنها ليست منيعة كحدودنا، بل وضيعة تناسب مذهبه الرقيق الخالي عن التحقيق. قاعدة: والحق: أن المؤمنين الراشدين ممتدحون بإيمانهم بالغيب الذي لا يقوم إلا على حدود بين الحاضر والغائب، مبنيَّة على حقيقة الطرفين: فإن كان الغائبُ مثلَ الحاضر كان الحدُّ تشبيهَه به. وإن لم يكن مثلَه امتنع تشبيهه به، وكان الحد ( الذي هو: الإيمان به، وإثباته ): نفي كل معنى من معاني الحاضر عنه، وبالتالي: العجز عن بلوغ حقيقة الغائب المنزه عن المِثل، والوقوف على إثباته. ولما نفى اللهُ تعالى عن نفسه المماثلةَ _ التي شهد العقل باستحالتها عليه سبحانه _، كان الحد: نفي المماثلة، فتنزيهه سبحانه عن معاني الخلق. فغاية الباحث في الإلهيات: إثبات الكمالات على معنى منزّه عن معاني الخلق، وبيان فساد نسبة معاني الخلق إلى الخالق. وأما تفسير هذه المخالفة وبيان حقيقتها فهو محل العَجز، ونهاية البحث. وعليه: فمهما بلغ الباحث المتكلم وهو يقف على التنزيه عن معاني المحدثات، لم يضره خطأه أكثر من كونه عجز بكلامه عن إثبات ما أثبته الشرع من التنزيه، وردِّ شبهة خصمه؛ فإن المتكلمين من أهل الحق إنما اجتهدوا في الكلام لإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه منزهاً عن معاني الخلق. فإن علمت هذا، بقي أن تعلم أن القول ( بتسلسل شيءٍ مُحْدَثٍ من الأزل ) باطل عقلاً، وسفسطة تدل على سقوط مدعيه عن مرتبة الخطاب، وجهله بما حضر فضلا عما غاب. بل إن مدّعيها إذ جرد ذاك الشيء المزعوم عن الألوهيَّة فراراً من لوازم ذلك الشِّركيَّة، لزمه ذلك مع التزامه السفسطة والقرمطيَّة: فأما أصله ( تعلق الصفة بأثرها ) وهو ما عبَّر عنه الفلاسفة بـ( عدم انفكاك الأثر عن المؤثر )، فما ينبغي معرفته قبل بيان بطلانه: أن [[ المُدَّعِي ]] لمَّا لم يبلغ عقلانيَّة الفلاسفة في هذا الأصل _ إذ عقلوا عدم الفرق بين انفكاك الأثر أو شيء منه عن مؤثِّره فلم يرفعوا صوتهم بعد إقامة الحجة عليهم في الآثار الحادثة شيئاً بعد شيءٍ _، ولا وُفِّق للرُّشْدِ الذي تفضَّل الله تعالى به على المتكلمين من أهل الحقِّ، توهَّمَ أو أوْهَم: أنه بـ( انتحال كون الأثر نوعاً ) ينجو من بدعة الفلاسفة ولا تلزمه حجتنا الظاهرة عليهم!! ولكن هيهات: فإن الأمر سيان؛ إذ مداره: على ( كون المؤثِّر يصدر عنه الشيء مع امتناع أن لا يصدر )، وذلك يستلزم التسلسل في المؤثرين، أو التأثر بالغير، وكلاهما محال باطل. خلافاً لِمَا يصدر مع جواز أن لا يصدر. ومن ثم يُقال للمدَّعي: تمويهك حول ما أسميته نوعاً قديماً أزلياً لا يُنجيك من التزام: 1. حصول ذاك الشيء من غير سبق عدم، فيبطل تمويهك ويلزمك القول بتعدد القدماء والتسلسل والدور في المؤثرين. 2. حصول ذاك الشيء بعد عدم، فيكون مبتدأً، ويبطل دعوى قدمه الأزلي، وتسلسل الحوادث، والتفريق بين النوع والفَرد.
وقد تقدَّم، وسيأتي مزيد من البيان في هذا الشأن بعون الله
فإن عرفت هذا، فاعلم: أن دعوى ( تعلق الصفة بالأثر ) لا تستقيم إلا في مُحْدَثٍ مُجرَّدٍ عن صفات التأثير للذات كالاختيار والإرادة والقدرة. فلا تستقيم للمدعي إلا بالتزام ( الإيجاب بالذات )؛ لأن الإحداث: إيجاد الممكن ابتداء بالقُدرة على وفق الاختيار والإرادة المتعلقان به ترجيحاً وتخصيصاً قبل وجوده خارجاً. والتزام ( حصول الأثر التامِّ في آن )؛ لأن اللازم من عدم وجود أثرٍ معيَّن لا يختلف عن اللازم من عدم وجود أثرٍ مطلقاً، بل هما سيان: فإن كان خالقاً لحادث الغَدِ اليوم ولمَّا يخلقه بعد، صحَّ أن يكون خالقاً ولمَّا يخلق شيئاً. والتزام ( حدوث المؤثر والأثر )؛ لأن المؤثر إن كان يمتنع كونه مؤثراً إلا بحصول أثره امتنع قِدمه، ولزم الحدثان أو التسلسل والدّور في المؤثرين. وكل هذه اللوازم وغيرها محال في حق الإله كما هو الأصل المستلزم لها، وقد ظهر لك بطلان الكل فيما تقدم بالجملة، ونحن نُفصِّل رؤوس المسألة الآن لتبصر الحقائق، وتستعين بها على كشف التلبيس في كلام هؤلاء المبتدعة المناحيس، فنقول: اعلـــم: أن حقيقة ( القَدِيْم ): ما ليس له أول. وما ليس له أول لا يُوجَد بشيءٍ، بل يجب وجوده لذاته. ولا يتحقق ذلك لغير واحِدٍ على التحقيق؛ لأن الواجب فيه أن يكون إلهاً. وما أحسن قول بعض الأكابر رضي الله عنه:" اعلم أن مدلول لفظة الأزل [ عند الأصوليين ] عبارة: عن نفي الأولية لله تعالى، أي: لا أول لوجوده، بل هو سبحانه عينُ الأوّل لا بأوّليّة تحكم عليه فيكون تحت حيطتها ومعلولاً عنها كالأوَّليات المَخلوقة "اهـ وحقيقة ( الحَادث ): ما له أوّل. وما له أول لا يكون قديماً؛ لأنه يفتقر إلى مخصّص خصصه بالوجود فما فوقه من معاني الحِدثان. وهو ما بينه الله تعالى في قوله: { أم خُلِقوا من غير شيء أم هم الخالقون }. ولا يُقال: أن الخطاب عن الناس!! لأن الاستشهاد بها لا لأسبابها، وإنما للقاعدة التي توجه الخطاب للناس على هذا الوجه بناء عليها.
وما أحسن قول بعض الأكابر
وحقيقة ( الخَالِق ):
المُحْدِث بالقُدْرة للشيء المعلوم عنده على وِفْق الإرادة اختياراً لا
اضطراراً. كما قال الله تعالى: { فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ }،
{ إِنَّ
ويوضح ذلك قوله تعالى:
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى
وفي كتاب الفقه الأكبر المنسوب للإمام أبي حنيفة
[[ .. حذف من أول صفحة (51) إلى بداية صفحة (53) وفيها رد مباشر على بعض أتباع المُدَّعي المعتمدين عندهم .. ]]
وما أحسن قول بعض الأكابر
وقال:" الحق تعالى يُقال في حقّه إنه ( مُقَدّر الأشياء أزلاً )، ولا يُقال في حقّه ( مُوجدها أزلاً )؛ فإنه مُحال من وجهين: الأول: هو أن ( كونه مُوْجِداً ) إنما هو: بأن يُوجِد. ولا يُوْجِد تعالى ما هو مَوجود، وإنما يُوجِد ما لم يكن موصوفاً لنفسه بالوجود: هو: المعدوم. ومُحال أن يتَّصف المعدوم بأنه موجود أزلاً؛ إذ هو إنما صَدَر عن مُوْجِد أَوْجَدَهُ، فمن المُحال أن يكون العالَم أزلي الوجود. الثاني: من ( المُحَال ) وهو: أنه لا يُقال في العالَمِ إنه موجود أزلا؛ وذلك: لأن معقول لفظة ( الأزل ) نفي الأوليّة، والحق تعالى هو الموصوف بذلك. فيستحيل وجود العالَم بالأزل؛ لأنه رجع إلى قولك: العالَم المستفيد من الله الوجودَ غير مستفيد من الله الوجود!! لأن الأوليّة قد انتفت عنه تعالى بكون العالَم معه أزلاً "اهـ قلت: هذا، وإن الاتصاف بالتكوين ( أي: الخلق والإيجاد .. الخ ما يُعَبَّر عنه بصفات الفعل ) يصِحّ دون وجود المُكَوَّن؛ فيصحّ كون الله تبارك تعالى موصوفاً في الأزل بالتكوين للمُكَوَّن في وقت وجوده، دون أن يكون مكوّناً أزلاً. تنبيه: وإنما لم تستلزم أزليَّةُ التكوين أزليّةَ المكوَّن؛ لأنه لمّا كان التكوينُ أزلياً مستمراً إلى وجودِ المُكوَّن وترتّبه عليه لم يكن ذلك من انفكاك الأثر عن المؤثّر وتخلّف المعلول عن علته. كما أنه لم يلزم من ذلك عرضيّة التكوين؛ لأنه صفة حقيقيّة، هي مبدأ الإضافة، أي: إخراج المعدوم من العَدَم إلى الوجود.
وما أحسن قول الإمام أبي طالب المكي
فمَن شهد ما فصّلناه بنور اليقين لم يدخل عليه قِدَم العالم، .. ومَن لم يهتد بما بيّناه .. ودخلت عليه شبهةُ قِدَم العالَم، فألْحَدَ برؤيته قِدَمَ الحِدثان، أو جَحَدَ قِدَم العِلم بنفي وجود الحدث فيه وهذا شرك بالصِّفات بترتيبه إياها .. ونحن بريئون من شهادته، مُبطِلون لدعواه، منكرون لِشِرْكِه في القِدَم .. لأن مَن قال: ( إن شيئاً قديم مع الله تعالى )، أو: ( موجود بنفسه لِنَفسه ) فقد أشرك في الصّفات. وليس يختلف أهلُ اليقين بحمد الله تعالى في جميع ما ذكرناه "اهـ[ القوت: 1 / 143 - 147 ].
وهذه الكلمات المختصرة من قول الإمام
وقد تبين لك: أن حقيقة ( الاختيار والإرادة ) تخصيص أحد طرفي الشيء قبل ابتداء التأثير فيه. وحقيقة ( الإيجاب بالذات ) وجود شيء بوجود شيء، فلا يصح وجودُ المُوجِد دونه، ولا اختيار له فيه. ولا يخفى ما في هذا من لزوم التخصيص على الطرفين والحدوث لهما؛ لأن حقيقة ذلك: ترتيب شيء على شيء. وذلك لا يصح له وجود لذاته، فضلاً عن أن يصح له أزل. ثم إن قيل: أن الشيء المرتب ممكن. فإن ذلك أشد فساداً؛ لأن وجود ممكن معين ليس أولى من وجود غيره من الممكنات. فوجود شيء ممكن أو غير ممكن مع واجب الوجود لذاته لا يتأتى إلا من مخصص مختار، فإن كان اللهَ تعالى صح، ووجب عدم أزلية ذلك الشيء، وإن لم يكن اللهَ تعالى وجب كونه سبحانه والممكن المعلول به حادثان. فإن علمت هذا، فاعلم أن لأهل الحق أجوبة كثيرة على دعوى الإيجاب بالذات، منها: ü أنه لو كان تعالى موجباً بالذات: للزم من ارتفاع هذه الحوادث وعدمها ارتفاع ذات الله تعالى وعدمه، وهذا مُحال، فذاك محال. ü وللزم من قِدَمه قِدم المفعول، فيلزم أن يكون سبحانه مفتقراً إلى المؤثر، وذلك محال. ü وللزم قِدم العالم، والقول بوجود قدماء كثيرة!! وذلك مُحال؛ لأن ( القِدَم ): صفة سلبية ثبوتيّة، عِبارة عن سلب المسبوقيّة بالعَدَم، وليست صفة وجوديّة. فلو وُجِدَ قُدماء لتشاركت في هذا المفهوم، وبعد ذلك: إما أن تكون مخالفة في شيء من المقومات أو لا تكون: فإن لم تختلف في شيء من المقومات تساوت في تمام الماهية، فتساوت في لوازم الماهية، ولزم كون كلها علة للبواقي، وكون كلها معلولة للبواقي!! وكل ذلك مُحال. وإن اختلفت في سائر المقومات، كانت متساوية في القِدم، ومختلفة في ذلك الاعتبار الآخر، وما به المشاركة مُغاير لما به المُخالفة. فيلزم كون كل واحد من تلك القُدماء مُركباً من قيدين، وكل واحد من ذينك القيدين لا بُد وأن يكونا متشاركين في القِدم؛ لأن ما ليس بقديم يمتنع كونه جزءاً من ماهية القديم. وإذا كان الجزءان متشاركين في القِدم ولا بُد أن يكونا مختلفين باعتبار آخر، فحينئذٍ يكون كل واحد من ذينك الجزأين مركباً من جزأين آخرين، والكلام في كل واحد منهما كما في الأولين، فيلزم كون كل واحد من أولئك القدماء مركباً من أجزاء غير متناهية، وذلك محال. هذا، وقد تقدَّم في الفروع السابقة تفصيل ما أجْمِل في هذا الفِرع، فلا حاجة لتكراره.
وما أحسن قول بعض الأكابر
وإنما يُقال: إنه تعالى أوجَدَ الأشياء مُوافِقَة لِسَبق علمه بها بعد أن لم يكن لها وجود في أعيانها، ثم إنها ارتبطت بالمُوجِدِ لها ارتباط فقير مُمكن بغنيّ واجب .. "اهـ فحقيقة ( الإيجاب بالذات ) عند المحققين: ترجع إلى نفي الصّفات، فلا يُنجي مدعيها بعد ذلك الإقرار بالصفات وإثباتها، كما لا يُنجيه من كونه أشرك بالله تعالى في صفة من صفاته. وحقيقة ( الكمال بالغير ) ثبوت النقص في الذات، وهو: الفقر والاحتياج؛ لأن الفقر والاحتياج إنما هو كون كلاً من وجود الشيء وعدمه لا لذاته، بل لأمرٍ خارج. وذاك هو عين المُحدث، فعين إنكار الألوهية التي يتشدق [[ أتباع المُدَّعي ]] بدعوى الحِفَاظ عليها، سيما أن [[ المُدَّعي ]] قال في منهاجه أيضاً:" فلا يُعْلَم قطّ فاعِل إلا فاعِلاً يُحْدِثُ فعله أو مفعوله، لا يُقارنه مفعوله المُعيّن ويُلازمه، .. والواجب في الإلهية: أن يُسلك بها هذا المسلك: .. أن كل كمال كان لمخلوق فالخالِق أحقّ به؛ فإن كمال المخلوق من كمال خالِقِه .. ولأن الواجب أكمل من الممكن فهو أحق بكل كمال ممكنٍ لا نقص فيه مِن كل ممكن. ويُعلم أن كل نقص تنزه عنه مخلوق معلول، فالخالق أحق بتنزيهه عنه، فإن النقص يُناقض الكمال، فإذا كان أحق بثبوت الكمال كان أحق بنفي النقص "اهـ!! فتأمل هذا الهرج والانحدار الكلي عن المنقول والمعقول!! والذي إن دل: فإنما يدل على فَرْطِ التجسيم والتشبيه، وقَصْرِ العُلُومِ على المفهوم!! علماً أنه لِمُسَايرٍ أن يعدّ لهذا الزائغ ومن تبعه على هذه القُوَيْعِدةِ أصنافَ كمالِ الموجودات من الحيوان والجماد والنباتات ..الخ، ليبلغ إلى أبشع ما قد يُوجد والعياذ بالله تعالى؛ ذلك أن كمال الحيوان للنبات عيب، والعكس وما في معنى ذلك صحيح، فاقتضى نسبة جميع كمالات الموجودات لمعبوده؛ لأنه ليس كمال الإنسان مثلاً أولى من كمال النبات!! فتأمل فإن لم يلتزموا ذلك لزمهم التزام تنزيه الله تعالى عن كل ما قد يُعاب بوجه من الوجوه، وبذلك يثبت مذهبنا القائم على الاستدلال بالحاضر على الغائب لا قياس الأخير على الأول. فرحمك الله يا سيدي الإمام الشيرازي رضي الله عنك حيث قلت في أسلاف هؤلاء بالحشو في التوحيد:" والأولى بمن تكلم معهم من أهل الحق في ذلك: أن لا يُطالبهم في الابتداء إلا بالفَرق بين القديم والمُحدث، فمَن كان جاهلا بذلك فالسّكوت عنه أولى من كلامه، ويُؤمر بمعرفة ذلك، فإن أصل هذه المسألة مبني على ذلك "اهـ[ الإشارة: 214 ]. فانظر أيها الحبيب اللبيب فيما تقدم، لترى كيف يتخبط ويهذي من أقحم نفسه في علم التوحيد وهو لا يَعرف حتى الفَرْق بين القديم والمُحْدث. فإنك إن فهمت ذلك، فقد تبين لك: ü أن ( القديم ): ممتنع التعدد والاستناد إلى الأغيار، وحدوث الأفعال بالإيجاب والإجبار، فيفعل ما شاء متى شاء كيف شاء بالاختيار، دون حدوث في الذات لوصف أو قرار. ü وأن ( الحادث ): ممتنع القِدَم، مفتتح الوجود في الخارج بعد عدم. ولمّا كان تعدد القديم مُحال، ووصفه ووصف الحادث على تلك الحال: وجب كون الله تعالى وحده أزلي الوجود في الخارج، دون شيء من الأفعال.
وما أحسن قول بعض الأكابر
ü وأن الله تعالى كان ولم يكن شيء غيره، وما يزال خالقاً يقدر أن يبتدأ خلق ما يشاء على وفق إرادته. ü وأن دعوى التسلسل أزلاً يلزم منها: حِدثان الله تعالى على وصفٍ أرقى من وصف ما أسماه ذاك الزائغ محدثاً، فعدم ألوهيته وذاك المُحدَث، أو الاشتراك في الألوهية!! وكل ذلك محال باطل يوجب لمُدَّعيه وصف الكفر والإلحاد. ü وأن تعلق الصفة بأثرها هو عين الإيجاب بالذات، الممتنع على الله تعالى. ü وأن عدم التزام [[ المُدَّعي ]] القول بالإيجاب بالذات على التحقيق، لم يمنع من إلزامه به؛ لكونه التزمه فعلياً. ü وأن تعتيمه على الإيجاب بالذات بإثبات الاختيار والإرادة، وتأخر المحدث تأخراً غير منفصل ببرزخ!! لم يُنجه من التزامه. ومحل النظر هنا: 1. تعلق الصفة بأثرها، ووجه ارتباطها بالإيجاب بالذات. 2. الإيجاب بالذات، ووجه ارتباطه بكون المُوجِبِ مختاراً مريداً، والمُوْجَب غير مقارن. فإن التلازم بين تعلق الصفة بأثرها والإيجاب بالذات، وعدم تأثر ذلك بالاتصاف بالاختيار ( المُعطَّل فيما اشتُرط وجوده لوجود غيره، ولو كان متصرفاً فيه بعد ذلك ) ظاهر. فتأمل 3. تفرد شيء بالقِدم، وتأثره بشيء لا يفصل وجوده عن وجوده برزخ. 4. الحدوث وتأثره بكونه أزلياً. فإن لزوم القِدم للشيئين، وعدم تأثر ما يُسمى محدثاً بمدلول هذا الاسم بعد ذلك. فتأمل وكيف إن قيل: إن وجود الشيئين لازم لثبوت أحدهما؟!! ü وأن العقل والعقلاء، والشرع والمُحقّقين من العُلماء لا يُقيمون وزناً لدعوى [[ المُدَّعي ]] ذاك وأذياله التي لم يُسبقوا بمثلها، بل ولا لهم أنفسهم بعدما تبيّنوا جهلهم في هذه المسألة وغيرها مما يُدركه مَن نال أدنى حظ من المعرفة والعِلم، دون أن يُختم على قلبه وسمعه وبصره غشاوة، فضلاً عمن يدعي العلم والإمامة. تنبيه: واعلم أن أصل [[ المُدَّعي ]] في تقرير الإلهيات كما هو ظاهر للمُحقّقين وتجلى لك فيما تقدم، يتلخّص في: ( قياس الغائب على المحسوس )!! فيحصر وظيفةَ العقل والعلم بالغائب في الحِسّ الباطِن والظاهر للإنسان، بحيث أن كل معرفة لا تُدرك بمحسوس من ذلك فهي باطلة!! وإنما ذكرت هذا هنا لتعلم مدى تهافت مذهب المدعي وتناقضه، فلو أنه على فساد هذا الأصل الظاهر أعْمَلَه في تقريره المسألة السابقة لعرف فساد مذهبه فيها. علماً بأني لا أدري دعوى الغيب فيما يُقاس على المُشاهد إلا سفسطة وجهلاً مركباً. فتأمل
فائدة:
قال الإمام أبو طالب
وقد شهد الله -------------------------------- تنبيه: وما بين المعقوفتين المزدوجتين [[ ]] من فعل إدارة الموقع لتلخيص الموضوع، وتلطيف العبارة بحذف اسم المُدَّعي، وإنما أقدمنا على ذلك بمشورة شيخنا حفظه الله، وهو الذي كان عقد ابتداءً فصلاً كاملاً عرض فيه أقوال المدّعي الذي تؤكد مذهبه الذي كشف شيخُنا حقيقته، ثم أتبعه ببحث آخر أسماه ( كشف المَين )، فمن أراد التفصيل فعليه بكتاب ( الكشفين للزّلل والمَين )، والحمد لله رب العالمين.
|