العالَم

أقسام وتفاضل

في كتاب ( تنبيه القلوب ):"\

العالَم: اسم لكل موجود سِوى الحَقِّ تعالى، وهو قِسمان:

الأول: عُلْوِيّ: وهو عالَم الحياة العاليَة الحقيقيَّة؛ لكمال عناصره الوُجودِيَّة، وقُرْبِه من الحَقِّ تعالى. وإليه الإشارة بقوله : { وإنَّ الدَّارَ الآخِرةَ لهيِ الحَيَوَان لو كانوا يعلمون }.

الثاني: سُّفْليّ، ويُسمَّى: الدُّنْيَا: وهو عالم الحياة السُّفْلى الدَّنِيَّة التَّمْهِيْدِيَّة، لنَقْصِ عناصره الوُجُوديَّة، وبُعدِه عن الحَقِّ تعالى. وإليه الإشارة بقوله : { وما الحياة الدّنيا في الآخرة إلا مَتَاع }، وما أمَر به من طَلَبِها للآخرة من خلال السَّعْيِ بمَساعيها نظراً واستدلالاً وعملاً، وحَذَّر من طلبها لِذَاتها غروراً بآثارها حتى قال : { إنما مثَلُ الحياة الدنيا } في طَلَبِها لِذَاتها: { كماءٍ أنزلناه من السَّماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناسُ والأنْعامُ حتى إذا أخَذَت الأرضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَت وظَنَّ أهلُها أنهم قادِرون عليها أتاها أمْرُنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حَصِيْداً كأنْ لَم تَغْنَ بالأمْسِ، كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَومٍ يَتَفَكَّرون * واللهُ يَدْعُوا إلى دار السَّلام ويهدي من يشاء إلى صِراطٍ مُستقيم }، وفي ذلك الذي هو دعوة الله تعالى إلى دار السَّلام فلاح الدنيا والآخرة؛ كما قال : { مَن كان يُريدُ ثَواب الدّنيا فعِندَ اللهِ ثوابُ الدّنيا والآخرة }.

فلما كان العالم السّفلي تمهيداً للآخرة، مشتملاً بالضَّرورة على أمثِلَة كمالها _ كما في قول سيّدنا رسول الله محمد : { ليس في الجَنَّة شيء من الدُّنيا إلا الأسماء } _، وقع الغرور به والطَّلب له كما في الخبر: { اتَّقوا الدنيا؛ فإنها أسْحَرُ من هاروتَ وماروت }.

ولكن اللهَ تعالى نبَّه على ذلك في نحو ما تَقَدَّم، ثمَّ حذَّرَ منه باعتباره انصراف إلى المَثَل عن المُمَثَّلِ، وإعْراض عن الغاية إلى الوسيلة، مع المخالَفَة لعِلَّة وجود النَّاس _ المُشار إليها بقوله : { وما خلقتُ الجِنَّ والإنسَ } يعني: النَّاس { إلا لِيَعْبُدون } _، فقال : { من كان يُريد الحياة الدّنيا وزينتها نُوَفِّ إليهم أعمالَهم فيها وهم فيها لا يُبْخَسُون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحَبِطَ ما صَنَعُوا فيها وباطل ما كانوا يعملون }.

وقد قال سيّدنا رسول الله محمد : { الدنيا حلوة خضرة، فمن أخَذها بحقِّها بورِك له فيها، ورُبَّ مُتخوِّضٍ فيما اشتهت نَفْسُه ليس له يَومَ القِيامة إلا النَّار }، ثم قال : { الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له }.

فسُفليَّة هذا العالَم: لمَنْزِلتِه، ودُّنيَوِيَّته: لدُنُوِّه مِنَ النَّاسِ باعتباره المنزل الأول لهم، وتدنيَتِه إلى العالَم العلويِّ بما يُوجَـدُ فيه من عِلْمٍ وما يُمْكِن من قُرُبات، ولدناءة آثاره الذَّاتيَّة في نفسِها أو بالنِّسْبَةِ للآخرة.

فائدة: ونخرج من هذا: أن الدّنيا نافِذَة على الآخرة، ومَمَرّ إليها، وخادمة لها، فعلى الناس استخدامها لا خدمتها؛ ففي الخبر: { يا دنيا من خدمك فاستخدميه، ومن استخدمك فاخدميه }، واستعمالها في طلب الآخرة والتَّقرّب من الله تعالى، كما قال بعضُهم: { ربّنا آتنا في الدّنيا حَسَنةً وفي الآخرة حَسَنة وقنا عذاب النار }.

وقد جمع ذلك سيّدنا رسول الله محمد في وصيَّته: { كن في الدنيا كأنَّك غريب، أو عابر سبيل }، ونبَّه إلى ما يقتضيه ذلك من التجرّد عن قرباتها المُرَغّبة بها، فقال : { لا تتَّخِذوا الضَّيعة فترغبوا في الدُّنيا }، ثم قال في كشف عِلَّة ذلك: { الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرامٌ على أهل الدنيا }.

فمن اعتبر بهذا وادَّخر: كان له العالَمان نعم الدَّار والمُستقر، ومن أعرض عنه واستكبر: كان له بئس الدار والمُستَقر، ويلقى في الآخرة سَقَر.

تنبيه: واسم الآخرة: يطلق على العالَم العلويِّ كما تقدَّم، ويطلقُ على مآل الأمر الذي هو آخرته، فالجنة والنار وإن كانتا من جملة الآخرة بالاعتبار الأخير غير أن النار لا تزال تعتبر سفليَّة؛ كما قال الله تعالى: { ثم رددناه أسفَل سافلين }. "انتهى

--------------------------

ومما يزيد الفائدة في هذا الباب ما ذكره الشيخ _ حفظه الله _ من حكم سطرنا بعضها في زاوية ( الكلمات ).