التأويل الصّحيح

:" بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الأستاذ الشيخ طارق بن محمد السعدي، قرأت بعض ما كتبت ورأيتك مهتماً بالعقيدة، فأتمنى لو تجيبني على ما يلي:

ما هو التأويل الصحيح، مع الدليل؟ وما هو الدليل على التأويل في الصفات؟ ..

بارك الله بك.

أبو بكر / أمريكا

:" حبيبي أبا بكر، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فأما ( التأويل الصّحيح )، وهو: البَيَان، أي: كَشف المُراد عن اللفظ المُشْكِل، فَدَلّ عليه جُملةً: قولُ الله تعالى: { ذلك خير وأحسن تأويلاً }[ النساء: 59 ] أي: أحسن بياناً، ودعاءُ سيدنا رسول الله محمد لابن عباس :" اللهم فقّهه في الدين، وعلمه التأويل ".

وهو على قسمين:

الأوّل: يُسمى ( التّفسيرُ )، وهو: تبيين اللفظ بحقيقته المعروفة، الموضوع لها ابتداءً في اللغة؛ لعدم وجود الصَّارف، وهو ما يُعرف في قواعد اللغة بـ( الحقيقة ).

والصَّحيحُ: أن اسم " التفسير " لا يَصْدُقُ إلا على المعنى القطعيِّ لمدلوله؛ لعدم وجود معنىً آخر له. وأما المعنى الظَّنِّي _ وهو الواحد من بين عدد من المعاني التي يحتملها اللفظُ _: فيُسمى تأويلاً؛ سواءٌ أكان محتفاً بقرائن تُعيِّنه أم لا.

ولأهل اللغة وبعض العلماء اصطلاح خاص في ( التفسير ) فرّقوا به بين التفسير والتأويل، ليس هو من موضوعنا هنا.

كما يجدر التنبيه على كون لفظ ( التفسير ) يُطلقُ ويُراد به ما يُرادُ بالتأويل مطلقاً، كما في قول الله تعالى: { وأَحْسَنَ تَفْسيراً }[ الفرقان: 33 ]؛ إذ كل شيء يعرف به المرادُ بالشيء ومعناه، فهو تَفْسِرَتُه وتأويله.‏

والدليل على هذا القسم أشهر من أن يُذكر، بل لا يحتاج إلى دليلٍ أصلاً.

الثاني: يُسمى ( التّجَوّز )، وهو: تبيين اللفظ على بما يجوز فيه من غير الحقيقة للقرائن المحتفَّة به؛ أي: نقْلُ ظاهر اللفظ عن وضعه الأصلي إلى معنى استعمل له في اللغة لدليلٍ لولاه ما صُرِفَ عن ظاهرُ اللفظ. وهو ما يُعرف في قواعد اللغة بـ( المجاز ).

ولـ( التأويل ) في اللغة والاصطلاح معانٍ أخرى .. وليس الآخر من موضوعنا.

وإذا أطلق لفظ ( التأويل ) أُريد به القسم الثاني غالباً، ونسبة إلى بيان المراد بالألفاظ المضافة إلى الله تعالى على أصله سُمّي المُبيّنون ( مُؤَوِّلَة ).

والدّليل على هذا القِسم: كون القرآن نزل بلسانٍ عربيٍ يُستعمل فيه هذا الضَّرب من اللغة. وقول الله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله }[ آل عمران: 7 ] أي: وما يعلم حقيقة وماهيةَ كلِّ ما غاب عن الناس مما عَلِمَ الرَّاسِخُون في العلم المقصودَ به إلا اللهُ تعالى. وهذا دليل على وجود ألفاظ صُرِفت عن الحقائق الموضوعة لها في اللغة. وقوله تعالى: { هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله }[ الأعراف: 53 ] أي: بيانه الذي غايته المقصودة منه.

وأما ( تأويل الصفات ) بمعنى: تأويل الألفاظ المُعبِّرة عن الصِّفات مباشرةً أو بالإضافةِ؛ وهو: تبيين الألفاظ المُعَبِّرة عن الصِّفات بما يجوز فيها غير الحقيقة الظاهرة، فالدّليل عليه:

أولاً: من جهة الإجمال:

( مخالفة الله تعالى للحوادث ) الثابتة بالمحكمات من النصوص الشرعيَّة لأصول الدِّين، والمقتضية عدم اتصاف الله تعالى بأصول الخلق على ما هم عليه مِنَ الجَوْهَرِيَّة والجِسْمِيَّة والعَرَضِيَّة فضلاً عن فروعهم، الأمر المُلزم بكون الألفاظ المعبَّر عن صفات الله تعالى بها لا يُرادُ بها المعنى الحقيقي المُدرك الموضوعة له ابتداءً في اللغة.

كون تلك الألفاظ من جملة ألفاظ اللغة التي خوطبنا بها، ولا يجوز تقييدُ بعض الخطاب فضلاً عنه جميعاً بوجهٍ من استعمالات اللغة دون غيره إلا بدليل، سيما بعد الإقرار بقَبُول الخطاب لذلك الوجه جملةً أو تفصيلاً، وهو ما لا مجال لإنكاره.

كوننا مخاطبين بما نفهم المُرَادَ منه؛ وإلا لَمَا استقام التكليفُ، ولكان الخطابُ عبثاً والعياذ بالله تعالى.

وننبِّه هنا: على الفرق بين ( فهم المُرَاد ) و( إدراك المُرَاد )؛ إذ لا يستقيم التكليف والخطاب بدون الأول خلافاً للثاني.

ثانياً: من جهة التفصيل:

والأدلّة التفصيليّة على ذلك كثيرة، نكتفي بذكر بعضها، وهو:

قول الله تعالى لسيدنا عيسى : { إنّي متوفِّيك ورافعك إليّ } الذي حقيقته: أن الله تعالى رفعه إلى مكانٍ هو فيه والعياذ بالله تعالى، بينما رَفَعَه سبحانه إلى السّماء الثانية حيث لا خلاف بين أحدٍ من الخلق على كونها ليست مكاناً لله ، الأمر _ وهو: إطْلاق اللفظ المُوْهِم بالمكان وعدم إرادة ذلك به _ المُثْبِت للتأويل، المُجَوِّز أن لا يُرَاد بكلّ لفظٍ موهم بالمكان أو غيره من شؤون المحدثات المعنى الحقيقي الظاهر.

وقول سيدنا رسول الله محمد :" يَنزلُ ربّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلُثُ الليل الآخر، فيقول: مَن يدعوني فأستجيب له؟ مَن يسألني فأعطيَه؟ مَن يستغفرني فأغفرُ له "[ متفق عليه ]، الذي حقيقته: أن الله تعالى قد أوكل ملكاً أو ملائكةً بذلك، كما جاء في حديثٍ آخر:" إن اللهَ  تعالى يُمْهِل حتى يمضي شطرُ الليل، ثم يأمر منادياً أن ينادي يقول: هل من داع .. "الحديث [ رواه النسائي في السنن الكبرى بإسناد صحيح ]، الأمر _ وهو: إطْلاق اللفظ المُوْهِم بالنزول والانتقال وعدم إرادة ذلك به _ المُثْبِت للتأويل، المُجَوِّز أن لا يُرَاد بكلّ لفظٍ موهم بذلك أو غيره من شؤون المحدثات المعنى الحقيقي الظاهر.

فإن علمت هذا، فاعلم أن هذه الأدلة بالجملة، توجب تأويلُ تلك الألفاظ بما يُنَزّه الله تعالى عن المعاني الخلقيّة أصولاً وفروعاً، وهو ما فهمه وعمل به علماءُ السَّلِف والخَلَفِ مِن صَدْرِ الأمَّةِ حتى زماننا هذا خلا الحشويّة القُصَّار دِرايةً وروايةً ومَنْ على شاكلتهم من المبتدعة.

وأما المأثور عن بعض السلف من الأمر بالتفويض، فلا يصلح دليلاً لإثبات أن ذلك مذهبهم؛ لأنه كان إما رداً على مبتدع أو على محتارٍ ليس من الحِكمة إجابته بغير ذلك، وقد ثبت عنهم التأويل في غير تلك المواضع.

ومن ثمَّ، فمن ردَّ التأويل أو طعن به فقد حكم بغير ما أنزلَ اللهُ، وكان من الفاسقين الكافرين الظالمين، الذين يحسبون أنهم على هدى وهم في ضلالٍ مبين.

العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير / أبو طه طارق بن محمد السعدي / الحسني "انتهى

 [ الفتاوى النورانية: 1 / 10 - 15 ]