تأثير النَّفُوس الصَّافية

في كتاب ( بهجة المحبوب )، خلال حديثه عن النفس:"

وأما في التأثير: فالنَّفْسُ تتَصَرَّفُ في المَحْسُوساتِ .. قال اللهُ تعالى: { ولو أنَّ قُرآناً سُيِّرَت به الجِبالُ } الآية، والإشارةُ فيها: إلى المُتَخَلِّقِ بالقُرآن؛ كما في الخَبَر: أنَّ سيَّدنا رسول الله محمداً :" كانَ خُلُقُه القرآن ".

فالمعنى: لو أنَّ عَبْداً تَخَلَّقَ بالقُرآن، لَتَصَرَّفَ بالمَكانِ والزَّمان وشَاهَدَ غَيبَ الأكوان؛ على ما تَقَدَّمَ من شَرح الآيَة.

والتَّخلّق بالقُرآن: صِفَةُ النَّفْسِ القُدْسِيَّة، المُسْتَخْلَفَة بهِ في البَرِيَّة، المُتَجَرِّدَةِ فيه عن المَعَاني الجِسْمانيَّة.

وقدْ جَمَع اللهُ تعالى ذلك في قوله لسَيّدنا عيسى : { إذ أيَّدتك بِرُوحِ القُدُسِ تُكلِّمُ النَّاس في المَهدِ وكَهلاً، وإذ عَلَّمْتُك الكِتابَ والحِكمةَ .. } الآية، فتأمَّل، واللهُ الهادي. "انتهى

وقد شرح _ حفظه الله _ الآيةَ قبل ذلك بقوله:"

قال اللهُ تعالى: { ولو أنَّ قُرآناً سُيِّرَت به الجِبالُ أو قُطِّعت به الأرضُ كُلِّمَ به المَوتى، بَلْ لله الأمرُ جميعاً }، يعني: التأثيرُ.

لطيفة:

قوله : { سُيِّرَت به الجِبال }: إشارة إلى ( التَّصَرُّف في المكان والكَيان )، كما في مُعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء عليهم الصلاة والسَّلام: كتَصَرُّف سيَّدنا رسول الله محمدٍ بالكواكِب والحَجَر والشَّجَر والمآكل والمَشارب والدَّاء والدَّواء، وتصرّف سيدنا عِيسى بالخَلقِ والمَوت والحياة، وسُليمان بالرِّيح، وتَصَرُّف الخِضر بالأقْدارِ، وصاحب سليمان بالمُكوّنات: فأحضَرَ عرش بِلقيس من بلدٍ إلى بلد بمُجَرَّد الأمر في طرفة عَيْن.

وقوله: { قُطِّعت به الأرضُ }: إشارة إلى ( التَّصَرُّفِ في الزَّمان )، كما في الإسراء والمِعراج، وما ثبت من طيِّ الأرض للصَّالحين، بحيث يقطع أحدُهم مسيرة أيامٍ بطَرفة عَينٍ أو فوقها؛ على قَدر التَّوفيق.

وقوله: { كُلِّمَ به المَوتى }: إشارةٌ إلى ( الانكشاف بالغَيْبِ )، كما في لقاء سيَّدنا رسول الله محمدٍ بمن سَلَفِ من الأنبياءِ ، ورؤيته مَن سَلَف وخَلَفَ من أهل الجنَّة والنار، وقَوله : { مَن رآني فقد رآني }، وما ثبت من لِقاءِ أحوال الصَّالحين كذلك.

تنبيه: وفي جميع ذلك إنما يُعتقدُ التأثيرُ للهِ تعالى؛ كما قال تعالى: { بل للهِ الأمر جميعاً }. " انتهى