|
التسخير
عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته. وبعد: قال الله تعالى: { ألم تروا أن الله سخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض }[لقمان:20]، { وسخّر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه }[الجاثية:12]، { وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره }[النحل:12]، فهذا بيان بأن الكون مسخّر للناس. ثم إن تسخيره على ضربين: العادة: وهو ما سنه الله تعالى له من الوظيفة الكونيَّة، ككون الجبال أوتاداً .. الخ، والرياح تثير السَّحاب .. الخ. الزيادة: وهو ما جعله الله تعالى فيه من الوظيفة الزائدة، التي يمنّ بها على الخاصَّة غالباً، ككون الجبال مسخّرات مع سيدنا داوود عليه السلام يسبحن، ولسيدنا سليمان عليه السلام الريح تجري بأمره. وإلى هذا الضّرب الإشارة الفرعيَّة بقول الله تعالى: { ولو أن قرآناً سُيّرت به الجبال أو قُطّعت به الأرض أو كُلّم به الموتى؛ بل لله الأمر جميعاً }[الرعد:31]. وقولي: " الإشارة الفرعيّة ": لأن في الآية إشارتان: أصل: وهو التحقق، بأن يتخلق العبد بالقرآن الكريم، فيُسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً من الله تعالى. ومن هذا: أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كان خلقه القرآن، ثم إنه أشار إلى القمر فانفلق، وطلب الغيث فانهمر، ونادى شجرة فلبّته .. الخ. فرع: وهو التََّسَلُّك، بأن يعمل العبدُ بآيةٍ موصلةٍ إلى وجه من التسخير، كما هو الشأن في الأسماء الإدريسيّة. ومن هذا: ما أخبر الله تعالى به في قوله: { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتْبَعَه الشيطانُ فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها، ولكنه أخلد إلى الأرض واتّبَع هواه }[الأعراف:175-176]. وإنما وقع لهذا العبد ( واسمه: بلعام ) ما وقع: لأنه لم يتفقّه، قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه:" من تحقَّقَ ولم يتفقّه فقد تزندق "، يعني: مَن عمل عملاً من فروع التحقّق سعياً إلى الأصل أو طلباً للفرع دون تفقُّهٍ بحدود الله تعالى الخُلُقيَّة والشرعيَّة عاد عليه ذلك بالويل ثم مال به كل المَيْل، نعوذ بالله تعالى من ذلك. كما يظهر من خلال ما جرى له: أن الذي لا يُوفي بحقّ الفرع ( إما " لعدم استعداده " الذي أحسن الظن به ابتداءً فلما امتحنه لم يجده شيئاً، وإما " لعناده " )، فإنه يتضرر، حتى قال السدي:" صار بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب ". فإن علمت هذا، فقد علمت إمكانَ تسخير الكون أو بعضه للعباد، وتنبهت إلى ضرورة عدم الهجوم على ما انكشف من آيات الفروع، ولا إلى طلب التحقّق تطفلاً، بل لا بد للمتسلّك أن يكون مستعداً، وللطالب أن يكون مريداً، بأن يكتنف ظلّ مرشدٍ كامل من ورثة الأنبياء، ليوصله إلى حاجته، وإلا كان المتسَلّك مستدرجاً أو محجوجاً، وكان الطالب كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه. وبدَوري، أحذّر الناس من التطفّل، وأحثهم على مراجعة المشايخ المرشدين الكمّل، واكتناف ظلهم، والوقوف على حدود توجيههم وإن خالف ظنهم بأنفسهم. أسأل الله تعالى توفيقك لفهم ما بينت لك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
خادم الحق طارق بن محمد السَّعْدِي
|