أنواع التنزيه ومقاماته

في فتوى نورانية:"

التنزيه ضربان:

الأول: ( التنزيه الحقيقي ) وهو: الانفراد بالذات والصفات على التحقيق، أي: بطريق الأحديَّة، لا باعتبار أن شيئاً شابهه فانفرد عنه، فليس بإزائه نِسْبَة جنس، وهذا التنزيه لا يَعلمه إلا اللهُ تعالى.

الثاني: ( التنزيه المُحْدَث ) وهو: إفراد الله تعالى عن مشابهة المُحدثات، المُعَبَّر عنه بقولنا: ( مخالفة الله تعالى للحوادث )، فبإزائه نِسْبَة جنس.

فالعارف بحقيقة ( التنزيه المحدث ) واستحقاق الله تعالى لـ( التنزيه الحقيقي ) يُدْرك عجزَه عن تحقيق التنزيه، واضطراره للتنزيه من التنزيه .. وهكذا، بحيث يَظهر عجزُه بين يديه شاهداً بـ( الوحدانيّة للألوهيّة ) و( العجزيَّة للعبوديَّة )، كما هو حال طالب شكر الله تعالى الذي يرى استحقاقه سبحانه الشكر على الإنْعَام بالشكر، ثم الشكر على نعمة الإنعام بالشُّكر .. وهكذا.

وذلك ما عناه نحو الإمام أبو الفضل ذو النون المصري بقوله:" ( المعرفة ): أوَّلها التَّحيُّر، ثم الافتِقَار، ثمَّ الحِيَرة "اهـ أي: التحقق من العَجْز، والإمام أبو بكر الشِّبلي بقوله:" يا دليل المُتحيِّرين زدني تحيُّراً "اهـ أي: عجزاً ..

فإن علمت هذا، فاعلم: أن مقامات ( عِبارات التنزيه ) ثلاثة:

الأول: ( مقام العوام ) وهو: سلب المعاني الخَلقيَّة عن الله تعالى؛ لأنه { ليس كمثله شيء } { ولم يكن له كفواً أحد }. فموقف العبد في هذا المقام وتعبيره عنه وحظّه منه من جهة السَّمع فقط؛ فيُطلق عبارات التنزيه _ كالباقيات الصَّالحات مثلاً _ لكون الشَّارع وضعها لذلك.

الثاني: ( مقام العُلماء ) وهو: سلب المعان الخَلقيَّة عن الله تعالى؛ لاستحالة اتِّصافه سبحانه بها، المُشار إليه بآيات التنزيه. فموقف العبد في هذا المقام وتعبيره عنه وحظّه منه من جهة العقل والسمع؛ فيُطلق عبارات التنزيه _ كالباقيات الصَّالحات مثلاً _ لكون الشَّارع وضعها لسلب ما يستحيل اتصاف الله تعالى به.

الثالث: ( مقام العارفين ) وهو: سلب نِسبة الجنس عن التنزيه المُحدث؛ لكونها غير معتبرة في أصل التنزيه، وذلك هو: درك العجز عن التنزيه اللائق بمقام الألوهيَّة. فموقف العبد في هذا المقام وتعبيره عنه وحظّه منه من جهة التَّحقّق بدلائل العقل والسَّمع؛ فيُطلق عبارات التنزيه _ كالباقيات الصَّالحات مثلاً _ لكون الشَّارع وضعها للتعبير عن التنزيه الحقيقي.

وأعلى هذه المقامات: المقام الثالث، ثمّ الثاني فالأول، ومَن ادَّعى المقام الثالث دون تحقق: فليس له من الحظ إلا بحسب موقفه على التحقيق؛ فإن كان من الواقفين على المقام الأول نال نصيبه منه وإلا فالثاني. "انتهى