طلب الكليم عليه السلام

للرؤية القُدسيَّة في الدنيا

: عن دعوى:" أن وقوع الرؤية للورثة المحمديين رضي الله تعالى عنهم في الدنيا غيرُ مسَلّم؛ لأن القرآن الكريم قد نص على أن سيدنا موسى عليه السلام لم ير ربه في هذه الدنيا، وهو من أولي العزم من الرسل "اهـ!!

: هذا لا يصلح دليلاً لعدم التسليم، بل هو دليل على العكس؛ وذلك من وجوه:

الأول: أننا والنفاة جميعاً .. : نثبت جواز رؤية الله تعالى بطلب سيدنا موسى عليه السلام لها؛ لأنه لا يسأل محالاً! فنكيل .. بنفس هذا الكيل ونقول: لو لم تكن جائزة في الدنيا أيضاً لما سألها؛ لأنه لا يسأل محالاً.

الثاني: أن عدم حصولها له مع ثبوت جوازها بما ذكرته في الوجه الأول: ليس امتناعها في حياة الدنيا، بل امتناعها في دار الدنيا؛ إذ لو كان كذلك لأجابه الحقُّ تعالى بما يفيد امتناعها نحو " لا أُرَى في الدنيا "! ولكنه قال: لن تراني فاحتمل أن يكون المانع: الحياة الدنيا أو دار الدنيا، ولما علل المنعَ بقوله ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني رجَّح مانع دار الدنيا، ودلَّ على جوازها في الحياة الدنيا، ثم أثبت له ذلك فلما تجلى ربُّه للجبل وهو أقوى مباني الدنيا جعله دكاً [الأعراف:143].

فلم ينف الحق جوازها، بل بين استحالتها في مكان سفلي بتعليق الأمر على استقرار الجبل .. وعليه: فهذا دليل .. يترتب عليه اعتبار ما دل على امتناعها في الدنيا من الأخبار ليس على إطلاقه.

ويشهد لذلك: حصولها لسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وورثته رضي الله تعالى عنهم من بعده.

الثالث: أن سيدنا موسى عليه السلام لم يحصل له ما حصل للخضر رضي الله تعالى عنه، فدلَّ على أصلين:

الأصل الأول: أن فضل الفاضل بتفضيل الله تعالى له، لا بأعماله وأحواله، ومنه خبر: ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه .

الأصل الثاني: أن حصول ما لم يحصل للفاضل أو مثله للمفضول جائز وواقع.

فظهر: أن الاستدلال بعدم حصول الرؤية لسيدنا موسى عليه السلام على المنع من حصولها لغيره (فاضلا كان أو مفضولاً): نفخ في غير ضَرَم، واستسمان لذي ورَم.

ولسائل أن يسأل عن سبب طلب سيدنا موسى عليه السلام الرؤية في دار الدنيا، رغم أن نفس الضابط الذي قلناه [[ وهو أن الأنبياء عليهم السلام لا يسألون محالا ]] يقتضي أن لا يطلبها "؟

والجواب من وجهين:

أحدهما: أن صلاح الدار الدنيا للمعاني العُلويَّة ( والرؤية القُدسِيّة منها ): ممكن أصلاً، لكنه امتنع بأمر الله تعالى؛ لذلك إذا أراد الله تعالى أن يحشر الناسَ عليها يوم القيامة للحساب أصلحها، كما قال عزَّ وجلَّ: يومَ تُبَدّل الأرضُ غيرَ الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحِد القهار ، فتصبح كما في الخبر: أرضٌ بيضاء نقيّة، لم يُسفك فيها دم، ولم يُعمل فيها بخطيئة .

فيُفهم من هذا: أن المانع من حصول الرؤية القُدسيَّة في الدار الدنيا ترجيح الاستحالة لا ثبوتها، وعليه: فلا يكون سيدنا موسى عليه السلام يسأل محالاً في طلبها.

ومن جهة أخرى: الدار الآخرة مساوية للدنيا بأصل الإمكان، فصلاحها للمعاني العُلويَّة والرؤية القُدسِيّة منها إنما حصل بأمر الله تعالى الذي يُعتبر في أصول العِلم مُرجِّحاً، فجاز سؤال الرؤية القدسيَّة في الدار الدنيا باعتبار أن الأمر عائد إلى الله تعالى وهو على كل شيء قدير، وأنه يخرق العادة لأحبابه.

والثاني: أن سيدنا موسى عليه السلام إنما سألها عن قومه؛ بيان ذلكَ: أن الله تعالى قال: وما كنا مُعَذّبين حتى نبعثَ رسولا ، وهذا ينطبق على كل حُكم، فاقتضى أن الحجة قامت على قوم سيدنا موسى في استحالة الرؤية في دار الدنيا حتى أخذتهم الصاعقة لما طلبوها.

فيُقال: أن قوم سيدنا موسى عليه السلام طلبوا الرؤية ابتداءً لظنهم أنها للإمكان الأصلي يجوز حصولها، فسعى سيدنا موسى عليه السلامُ في سؤالها لأجل ذلك، فلما بيّن الله تعالى له امتناعها بترجيح الاستحالة فيما جرى معه، أخبر قومه بذلك، فأصروا على طلبها فأخذتهم الصاعقة. والله تعالى أعلم

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.