الرَّد على الحشوية

في اعتراضهم على إثبات الرؤية مع نفي الجهة

: عن دعوى الحشوية من المبتدعة:" أن اعتقاد تنزيه الله عن المكان تدل على عدم معرفة الله سبحانه "اهـ!

:

أما مقولة الحشوية " أن اعتقاد تنزيه الله عن المكان تدل على عدم معرفة الله سبحانه "اهـ! فإنها مكيدة يحاولون نصبها لمن كان في بدايته من طلاب الحق، بغية التشويش والحشو والتدليس، والجواب عليها من وجوه، أهمها:

أولاً: أن هذه المقولة مبنيّة على الأصل الذي شذّ هؤلاء المبتدعة فيه عن أهل الحق من أهل السنة فضلُّوا؛ وهو: تأويل صفات الله تعالى على المعنى الحسيِّ الظاهر في الخلق سيما الإنسان، واعتبار ما أضيف إليه تعالى صفات تُؤول كذلك! تبارك وتعالى عما يقولون.

ولا يخفى أن ذلك ما لا نقول به، فلا يلزمنا ما ادَّعوه البتّة.

فلا خلاف بين أهل الحقّ في تأويل " الرؤية " على أصل التنزيه _ الذي علامته: الوصول إلى العجز عن إدراك الحقيقة الثابتة لله تعالى لمخالفتها حقائق المحدثات بشاهد العقل والنقل _، فيقطعون بكونها ليست على معنى مشاهدةِ صورة أو لون .. الخ متحيز في جهة أو مكان .. الخ.

ثم _ على المذهبين المشهورين بينهم _:

منهم من أثبت الرؤية دون خوض في حقيقتها.

ومنهم من أوّلها بالكشف التام وهو: زيادة المعرفة، ونحو ذلك مما يصحّ في اللغة مَعْنَىً للرؤية ويتناسب مع قداسة الله تعالى.

فاجتمعا في التنزيه عن المحسوسات المدركات من ظواهر الحقائق المعروفة عند الخلق، وافترقا في كون المفوّضة ومن تبعهم في هذه المسألة خاصّة من المؤولة توقفوا عند التأويل الإجمالي، ومن بقي من المؤولة حملوها على ما تدلّ عليه القرائن اللغوية والشرعيّة المحتفّة بها.

ثانياً: أنا لا نسلّم بكون الرؤية تقتضي المقابلة والاختصاص بالجهة؛ فإنّ الله تعالى يرى المخلوقات من غير تحيّز ومقابلة واختصاص بجهة في حقّه، ويجوز أن يخلق عز وجل لعباده ما يرونه به من غير تحيّز ومقابلة .. الخ.

بل إنا إذ أدركنا الفرق في عِلم الشيء بين علمنا به حال ما لا نراه وبعد حال رؤيته، علمنا عدم جواز عود ذلك الفرق إلى ارتسام الشَّبح في العين، ولا إلى خروج الشعاع منها، بل هو عائدٌ إلى حال يسمّى " الرؤية "، فنقول: أن تعلّق هذه الصّفة بذات الله تعالى جائز.

ثالثاً: أن " المقابلة " من خصائص المتحيزات، واللهُ تعالى منزه عن ذلك، ومن ثم: إن كان المرئيُّ متحيِّزاً وجب أن يكون الانكشاف الحاصل من الرؤية مبنياً على المقابلة واتّصال الشّعاع، وإن كان منزّهاً عن ذلك وجب أن يكون الانكشافُ منزَّهاً عن مباني التحيُّز.

قال الإمام أبو محمّد الشَّعرانيُّ المتوفى سـ(973)ـنة:" قال جمهور المتكلّمين والأصوليين: وتكون رؤية المؤمنين لربّهم في الآخرة بالانكشاف المنزّه عن المقابلة والجهة والمكان؛ وذلك: لأن الرؤية نوع كشفٍ وعِلمٍ للمدرك بالمرئيّ، يخلقه الله تعالى عند مقابلة الحاسّة له بإبعاده، فجاز أن يخلق هذا القدر بعينه من غير أن ينقص منه قدر من الإدراك من غير مقابلة لهذه الحاسّة أصلاً، كما كان صلى الله عليه وسلم يرانا من خلف ظهره، وكما أن الحقّ تعالى يرانا من غير مقابلة ولا جهة باتفاقنا؛ إذ الرؤيةُ نسبة خاصّة بين طرفين: راءٍ ومرئيٍّ، فإذا اقتضت عقلاً كون أحدهما في جهة اقتضت كون الآخر كذلك، فإذا ثبت عدمُ لزوم ذلك في أحدهما ثبت مثله في الآخر "اهـ[اليواقيت والجواهر:1/212].

رابعاً: أن الرؤية لا توجب حدوث شيء في المرئي ولا تغيّراً فيه، كالعلم مع المعلوم، فصحّ تقدير المخلوق على رؤيـة الخالق.

فإن صحّ هذا، صحّ إثبات الرؤية، وكونها لا تتوقف على المقابلة وغيرها من لوازم الرؤية بين المتحيّزات.

على أن المقصود من إثبات الرؤية ليس هو إثبات الرؤية المعهودة بين المتحيزات.

خاتمة في كلام لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني المتوفى سـ(478)ـة، قاله في الرّدّ على منكري الرؤية للأسباب التي يعتبرها هؤلاء الحشويّة أصلاً في مقولتهم، وهو:" فليعلم الناظر في هذا الفصل: أن الذين أحالوا رؤية الإله بنوا عقدهم على ظن فاسد؛ وذلك أنهم ظنّوا أن الإحساس الذي هو تحديق في صوب المرئي هو الذي يدعي أهل الحق تعلق قبيله بوجود الإله!! وهذا زلل، وسوء ظنٍّ بعَظَمَةِ الحق، تعالى أن يُحسّ. ولكن ما أحسسناه من المرئيات نُدرك حقيقته، وإدراكنا حقيقته ليس هو المحسوسات المفسّرة بمقابلة باتّصال أشعَّة.

فقال أهل الحقّ: لا يمتنع في قدرة الله سبحانه أن يُخصص من أراد بصفة هي في التّعلّق بوجوده بالإضافة إلى العلم كالإدراك المعلق بالمدركات، شاهد بالإضافة إلى العلم بها على الغيب من غير درك، ثم تلك الصّفة من مقدورات الباري تبارك وتعالى، وهي لا تتناهى. ومن لم يحله العقل التحق بالجائزات، سيما إذا اعتقد بالنّصوص القاطعة في الكتاب والسنّة "اهـ[العقيدة النظاميّة:38] ..

يمكن لك _ لحسم النقاش الذي يجعله هؤلاء المبتدعةُ جدلاً _ أن تقول لهم:

نثبت رؤيته تعالى منزهة عن كل ما نعقله من الرُّؤى المعهودة بين الخلق، على المعنى الذي أراده سبحانه.

وبعبارة أخرى: الرؤية غير مجهولة، وكيفيّتها غير معقولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة.

أو: وجوه يوم إذٍ ناضرة. إلى ربّها ناظرة كما قال الله تعالى، ولا يُقالُ كيف، وكيف عنه مرفوع؛ كما قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في الردّ على أسلافهم الذين يحاولون هم التنصّل من تبعيتهم لهم بما يتزينون به من شعارات مليحة يسترون بها عوراتهم القبيحة بين يدي الجهال ومَن لم يكن على هدىً من ربّه.