رؤية العبد ربَّهُ

قال القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني _ رحمه الله _ في كتاب الإنصاف:"

يجب على المكلف أن يعلم: أن الرؤية جائزة عليه من جهة العقل، مقطوع بها للمؤمنين في الآخرة؛ تشريفاً لهم وتفضيلاً، لوعد الله تعالى لهم بذلك.

والدليل على جوازها من حيث العقل:

سؤال موسى ، حيث قال: { رب أرني أنظر إليك }؛ ويستحيل أن يسأل نبي من أنبياء الله تعالى مع جلالة قدره وعلو مكانه ما لا يجوز عليه سبحانه، ولولا أنه اعتقد جوازها لما سألها، ولأنه تعالى علقها باستقرار الجبل، ومن الجائز استقرار الجبل.

ويدل عليه أيضاً: أنه موجود، والموجود يصحّ أن يُرَى.

وأما الدليل على ثبوتها من طريق الكتاب والسنة:

قوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام }، واللقاء إذا قرن بالتحية لا يقتضي إلا الرؤية.

وأيضاً: قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة }، قال أبو بكر الصديق :" الزيادة: النظر إلى وجهه الكريم "، وقد ذكر مرفوعاً عن رسول الله .

وقوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة }، والمراد بقوله { ناضرة }: أنها مشرقة، والمراد بقوله { إلى ربها ناظرة }: أنها لربها رائية؛ لأن النظر إذا عدى بكلمة < إلى > اقتضى الرؤية نصاً، كقوله تعالى: { فانظر إلى طعامك وشرابك }، وقوله تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت }.

وسئل ابن عباس عن قوله { وزيادة }؟ قال:" هي النظر إلى وجه الله تعالى بلا كيف ".

وأيضاً: فإن الصحابة لما سألوه : وهل نرى ربنا؟ فقال : { ترون ربكم عيناً، كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضارون في رؤيته }، وروي: { لا تضامّون في رؤيته }، وروي: { لا يلحقكم ضرر ولا ضيم في رؤيته }، ومعنى ذلك: أنه شبّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي؛ فكأنه شبه الرؤية بالرؤية، وأن الرائي المعاين للقمر ليلة أربع عشرة لا يشك في أن الذي يراه قمر، فكذلك الناظر إليه في الجنة لا يشك أن الذي يراه ، بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تحديد؛ وهذا كما يقول القائل:" أعرف صدقك كما أعرف النهار "، و" رأيت زيداً كما رأيت الشمس " .. "انتهى