القُرآنُ كَلام الله

سُئل الأئمَّة: العز بن عبد السلام، وجمال الدين أبو عمرو عثمان بن الحاجب المالكي، وعلم الدين أبو الحسن علي بن محمد السَّخاوي:" ما يقول السادة الفقهاء رضي الله عنهم في كلام الله القديم القائم بذاته:

هل يجوز أن يُقال: إنه عين صوت القارئ وحروفه المقطّعة، وعين الأشكال التي يُصورها الكاتبُ في المُصحف؟

وهل يجوز أن يُقال: إن كلام الله القائم بذاته حروفٌ وأصوات على المعنى الظاهر فيها، وإنه عين ما جعله الله معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم؟

وما الذي يجب على من اعتقد جميع ذلك وأذاعه وغرَّ به ضعفاء المسلمين؟

وهل يحل للعلماء المُعتبرين إذا علموا أن ذلك قد شاع أن يسكتوا عن بيان الحقّ في ذلك، وإظهار الردّ على من أظهر ذلك واعتقده؟

أفتونا مأجورين؟

فأجاب العز:" القرآن كلام الله صفة من صفاته قديم بقِدَمه، ليس بحروفٍ ولا أصوات.

ومن زعم أن الوصف القديمَ هو عين أصوات القارئين وكتابة الكاتبين فقد ألحَدَ في الدين وخالف إجماع المسلمين، بل إجماع العُقلاء من غير أهل الدين.

ولا يحلّ للعلماء كتمان الحقِّ ولا ترك البدع ساريةً في المسلمين، ويجب على ولاة الأمر إعانة العلماء المُنزِّهين الموَحِّدين، وقمع المبتدعة المُشبّهين المجسّمين.

ومن زعم أن المعجزة قديمة فقد جهل حقيقتها.

ولا يحل لولاة الأمر تمكين أمثال هؤلاء من إفساد عقائد المسلمين، ويجب عليهم أن يلزمهم بتصحيح عقائدهم بمباحثة العلماء المُعتبرين، فإن لم يفعلوا ألجئوا إلى ذلك بالحبس والضّرب والتّعزير. والله أعلم.

كتبه: عبد العزيز بن عبد السلام "اهـ

وأجاب جمال الدين:" مَن زعم أن أصوات القارئ وحروفه المتقطعة والأشكال التي يُصورها الكاتب في المصحف هي نفس كلام الله تعالى القديم فقد ارتكب بدعة عظيمةً وخالفَ الضرورة، وسقطت مكالمتُه في المناظرة فيه.

ولا يستقيم أن يُقال: إن كلام الله تعالى القديم القائم بذاته هو الذي جعله الله معجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك يُعلم بأدنى نظر.

وإذا شاع ذلك أو سُئل عنه العلماء، وجب عليهم بيان الحق في ذلك، وإظهاره. ويجب على مَن له الأمر وفقه اللهُ: أخذ من يعتقد ذلك ويَغرَّ به ضعفاء المسلمين، وزجره، وتأديبه، وحبسه عن مخالطة مَن يُخاف منه إضلاله، إلى أن يُظهر توبته عن اعتقاد مثل هذه الخرافات التي تأباها العقول السليمةُ. والله أعلم.

كتبه: عثمان بن أبي بكر الحاجب "اهـ

وأجاب علم الدين:" كلام الله عز وجل قديم، صفة من صفاته ليس بمخلوق، وأصوات القرّاء وحروف المصاحف أمر خارج عن ذلك، ولهذا يُقال: صوت قبيح، و: قراءة غير حسنة، و: خط قبيح غير جيد، ولو كان ذلك كلام الله لم يجز ذمّه على ما ذكر؛ لأن أصوات القراء به تختلف باختلاف مخارجها، والله تعالى منزه عن ذلك.

والقرآن عندنا: مكتوب في المصاحف، متلو في المحاريب، محفوظ في الصّدور، غير حالّ في شيء من ذلك.

والمصحف عندنا: معظم محترم، لا يجوز للمُحْدثِ مسُّه، ومَن استخفّ به أو ازدراه فهو كافرٌ مباح الدّم.

والصّفة القديمة القائمة بذاته سبحانه وتعالى ليست المعجزة؛ لأن المعجزة: ما تحدّى به الرسول صلى الله عليه وسلم وطالب بالإتيان بمثله، ومعلوم أنه لم يتحَدَّهم بصفة الباري القديمة، ولا طالبهم بالإتيان بمثلها.

ومَن اعتقد ذلك وصرّح به أو دعا إليه فهو ضال مبتدع، بل خارج عما عليه العقلاءُ إلى تخليط المجانين، والواجب على علماء المسلمين إذا ظهرت هذه البدعة إخمادها وتبيين الحق. والله أعلم.

علي السّخاوي "اهـ

[ نجم المهتدي ]