مخالفة الحوادث

قال شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي رضي الله عنه: في كتابه ( هدي الرحمن في رد كتاب " حكاية المناظرة في القرآن " ):

أن الله تعالى قد عَرَّفَنَا على نفْسِهِ وشَهِدَت العقولُ الراشدةُ: أن وجوده مخالف للمخلوقات، ولا تجوز عليه حقائقهم، فصح القول: أن ما يجوز إدراكه بالأبصار مستحيل على الواحد القهار.

وذلك في خطابه الكريم من أربعة طرق:

الطريق الأول: الوحدانيـَّة؛ فإن وحدانيَّة الله تعالى المبيَّنَة في قوله { قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ }، { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } وما في معناه: ليس وحدانيَّةً على سبيل التميّز، بل على سبيل التفرّد؛ وهو ظاهر في هذا الخطاب، ومُؤكَّد بالطُّرُق التالية، فاقتضى ذلك أن تكون حقيقة الله تعالى مخالفة لحقائق الخلق وجوداً.

الطريق الثاني: الاستدلال؛ فإن دلالة العالَمِ على الله تعالى المبيَّنَة في قوله: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ .. } الآية وما في معناه: تدل على استحالة إلهية شيء من المخلوقات مبنىً ومعنىً، حقيقةً ومظهراً، فاقتضى ذلك: أن تكون حقائق المخلوقات مستحيلةً على الله تعالى وجوداً؛ لأنه واجب الوجود في ذاته وصفاته أزلاً وأبداً.

الطريق الثالث: التنزيه؛ فإن نزاهة الله تعالى عن حقائق المخلوقات المبيَّنَة بقوله: { لَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى }، { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }، { لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ } وما في معناه: تدل على عدم مماثلته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات أو مماثلة شيء منها له على الإطلاق؛ وهو ظاهر في هذا الخطاب ومُؤكَّد بالطُّرُق الأخرى.

وأما ما يستدل به المخالفون من الأقوال التي اشتبهت عليهم: فليس هو إلا مجملاتٍ لا تصلح للاعتراض، كما لا يصلح الظاهر الذي تُرجِّحه أهواؤهم فيها للتَّبيين؛ لأنه ظاهر في حق المخلوقات أو شيء منها، وأما الظاهر في حق الله تعالى: فهو مخالفةُ الحوادث على وُجودٍ لا تُدْرِكه الأبصار؛ كما يُعلم من مجموع هذه الطُّرُق، فاقتضى ذلك: أن لا يكون الله تعالى مثلَ شيء من حقائق الخلق ولا شيءٌ منها مثلَه وجوداً.

فائدة: قال الله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } مبيناً: أن إخباره " بأن إعادة الخلق أهون عليه " لا يعني جوازَ اتصافه بمثل صفات الخلق، بل ذلك مستحيل، فلا تجوز عليه أمثالهم نحو القوة المحدودة التي يصعب معها فعل الأشياء ويسهل بحسب وسعها وطاقتها؛ لأن له عز وجل الوصفَ الأرفعَ المنزّهَ عن الأضدادِ والأنداد، { وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ }، ومن ثم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:" قوله: { وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ } يقول: ليس كمثله شيء "اهـ

الطريق الرابع: العجز؛ فإن نزاهة الله تعالى عن إدراك المخلوقات له بكافة الأبصار ( وهي القوى المدركة في الخلق ظاهراً وباطناً: حساً وفهماً ووهماً ) المبيَّنَة بقوله: { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }، { فَلاَ تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وما في معناه: تدل على أن ما تدركه الأبصار ممتنع على الله تعالى، وكون النص نكرة في سياق النفي فقد دلَّ على نفي الإدراك نفياً عاماً صريحاً لحقيقة الله تعالى، ولا يتعارض مع ذلك التجليات الإلهية للعباد؛ لأنها لا تحصل بالإدراك.

فإن قيل: لا نعرف تجلياً حقيقاً يحصل بدون إدراك بالأبْصار!

قلنا: هذا فيما يجوز إدراكه فيها، وقد تبيَّن أنها لا تُدرِك إلا المخلوقات لا الخالق، وكون العجز واقعاً في إدراك حقيقة ذلك فإنه ليس واقعاً في إدراك حُكْمِه الذي يتوقف عليه إثبات الأمر، وقد صح ثبوته والإيمان به بهذا النص وشهادة العقل الراشد.

فاقتضى ذلك: أن يكون ما يجوز إدراكه بالأبصار مستحيلاً على الله تعالى وجوداً، فكل ما يمكن إدراكه ليس هو الله تعالى ولا هو جائزاً في حقِّه عز وجل.

فعُلِم بهذا البيان: مخالفةُ الله تعالى للعالَمِ وجوداً، وامتناعُ كلّ شيء من حقائقه عليه عز وجل حقيقةً، وعجزُ الأبصار عن إدراكه إحاطةً.

وثبت أن منتهى إدراك الأبصار للإلهية: إثبات الله تعالى إلهاً واحداً وتنزيهه عن حقائق المخلوقات.

فوجب الوقوفُ على العجز عن إدراك حقيقة الله تعالى، وتنزيهُهُ عز وجل عن كل حقيقة مدرَكة بأي بصيرة ظاهرة أو باطنه، وقطعُ الطمع عن إدراك حقيقته المقدَّسة. وبطل تمثيله وتشبيهه عز وجل بشيء من خلقه أو قياسه عليه.

فإذا نفينا عن الله تعالى حقائقَ الخلق وطولبنا بإدراك حقيقته! ألزمنا الطالبَ بالعجز عن إدراكه.

وإذا قيل: أن ذلك نفي له سبحانه وتعالى ( أي: إعدام لوجوده ) قياساً على المخلوقات! ألزمنا القائل بثبوت وجوب المخالفة، وأن ما يتوهم أنه نفي له عز وجل ليس هو إلا نفياً لحقائق المخلوقات عنه؛ إفراداً له بما نعلم وجوب وجوده ومخالفته للمخلوقات.

وترتب على ذلك: أن يكون ما ماثل المخلوقات من الأشياء المنسوبة إلى الله تعالى ليس حقيقةً أو صفةً نَفْسِيَّةً له، بل صفةَ فعل أو فعلاً مضافاً، فيكون نحو الكلام المماثل لكلام المخلوقات المنسوب إليه ( في الكتب والصحف المنزلة ) منسوباً لفعله لا لنفسه؛ جمعاً بينه وبين هذه الأدلة، فضلاً عما سأذكره لاحقاً في الخطاب به.

فيُقال: أن الله تعالى متكلم حقيقة بكلام منزه عن الحرف والصوت .. الخ؛ لأن ذلك صفة كلام المخلوقات الممتنعة في حق الله تعالى المخالف للحوادث.