مجمل عقيدة أهل الحق

الأشعرية والسلف والصوفية

قال سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام _ رحمه الله _ في الملحة:

اعتقاد الأشعري رحمه الله: يشتمل على ما دلت عليه أسماء الله التسعة والتسعون التي سمى بها نفسه في كتابه وسنة رسول الله .

وأسماؤه مندرجة في أربع كلمات، هن الباقيات الصالحات:

الكلمة الأولى: قول " سبحان الله ": ومعناها في كلام العرب: التنزيه والسلب، وهي مشتملة على سلب العيب والنقص عن ذات الله وصفاته.

فما كان من أسمائه سلبا فهو مندرج تحت هذه الكلمة، كالقدوس: وهو الطاهر من كل عيب، والسلام: وهو الذي سلم من كل آفة.

الكلمة الثانية قول " الحمد لله ": وهي مشتملة على إثبات ضروب الكمال لذاته وصفاته.

فما كان من أسمائه متضمنا للإثبات: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير، فهو مندرج تحت الكلمة الثانية.

فقد نفينا بقولنا " سبحان الله " كل عيب عقلناه، وكل نقص فهمناه.

وأثبتنا بـ" الحمد لله " كل كمال عرفناه، وكل جلال أدركناه.

ووراء ما نفيناه وأثبتناه شأن عظيم قد غاب عنا وجهلناه، فنحققه من جهة الإجمال بقولنا:

" الله أكبر "، وهي الكلمة الثالثة: بمعنى أنه أجل مما نفيناه وأثبتناه، وذلك معنى قوله : { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك }.

فما كان من أسمائه متضمنا لمدح فوق ما عرفناه وأدركناه: كالأعلى، والمتعالي، فهو مندرج تحت قولنا " الله أكبر ".

فمن هذا شأنه، لا يكون في الوجود من يشاكله أو يناظره، فحققنا ذلك بقولنا:

" لا إله إلا الله " وهي الكلمة الرابعة: فإن الألوهية ترجع إلى استحقاق العبودية، ولا يستحق العبودية إلا من اتصف بجميع ما ذكرناه.

فما كان من أسمائه متضمنا للجميع على الإجمال: كالواحد، والأحد، وذي الجلال والإكرام، فهو مندرج تحت قولنا " لا إله إلا الله ".

وإنما استحق العبودية: لما وجب له من أوصاف الجلال ونعوت الكمال، الذي لا يصفه الواصفون ولا يعده العادون:

حسنك لا تنقضي عجـائبه      كالبحر حدث عنه بلا حرج

فسبحان من عظم شأنه وعز سلطانه، يسأله من في السماوات والأرض لافتقارهم إليه، وكل يوم هو في شأن لاقتداره عليه، له الخلق والأمر والسلطان والقهر، فالخلائق مقهورون في قبضته، والسماوات مطويات بيمينه، يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون.

فسبحان الأزلي الذات والصفات، ومحيي الأموات وجامع الرفات، العالم بما كان وما هو آت.

ولو أدرجت الباقيات الصالحات في كلمة منها على سبيل الإجمال، وهي: " الحمد لله "، لاندرجت فيها؛ كما قال علي بن أبي طالب :" لو شئت أن أوقر بعيراً من قولك " الحمد لله " لفعلت ".

إن " الحمد ": هو الثناء، والثناء يكون بإثبات الكمال تارة، وبسلب النقص أخرى، وتارة بالاعتراف بالعجز عن درك الإدراك، وتارة بإثبات التفرد بالكمال، والتفرد بالكمال: من أعلى مراتب المدح والكمال.

فقد اشتملت هذه الكلمة على ما ذكرناه في الباقيات الصالحات؛ لأن الألف واللام فيها: لاستغراق جنس المدح والحمد مما علمناه وجهلناه، ولا خروج للمدح عن شيء مما ذكرناه.

ولا يستحق الإلهية إلا من اتصف بجميع ما قررناه.

ولا يخرج عن هذا الاعتقاد ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أحد من أهل الملل، إلا من خذله الله فاتبع هواه وعصى مولاه؛ أولئك قوم قد غمرهم ذل الحجاب، وطردوا عن الباب، وبعدوا عن ذلك الجناب.

وحق لمن حجب في الدنيا عن إجلاله ومعرفته، أن يحجب في الآخرة عن إكرامه ورؤيته.

ارض لمن غاب عنك غيبته     فـذاك ذنب عقـابه فيـه

فهذا إجمال من اعتقاد الأشعري رحمه الله تعالى، واعتقاد السلف، وأهل الطريقة والحقيقة، نسبته إلى التفصيل الواضح: كنسبة القطرة إلى البحر الطافح:

يعرفه الباحث من جنسه     وسائر الناس لـه منكر

وقيل:

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد     إلا على أكمه لا يعرف القمرا