|
الحمل والولادة للنبي عيسى عليه السلام
أما حمل السيدة مريم عليها السلام: فقد قال الله تعالى فيه: { ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا .. }، أي: فأمرنا بنفخ روح خلقناها خالصة لنا في كيان رسول الله سيدنا عيسى عليه السلام الذي كوّنه الله تعالى في رحمها. تنبيه: ولا يُفهم من النفخ الجماع أو مباشرة الأعضاء الجنسية؛ فقد قال الله تعالى: { إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ }[ص:71-72]. وقصة الولادة بإيجاز: أن السيدة مريم عليها السلام جعلتها أمها محررة تخدم بيت المقدس، وكفلها صهرها نبي ذلك الزمان سيدنا زكريا عليه السلام، واتخذ لها مكاناً شريفاً من المسجد، لا يدخله أحد سواه عليها. فلما بلغت، اجتهدت في العبادة، وكانت إنما تخرج من المسجد في زمن حيضها، أو لحاجة لا بد منها كاستقاء ماء أو تحصيل غذاء، حتى بشَّرها الملائكة باصطفاء الله تعالى لها، وبأنه سيهب لها ولداً زكياً يكون نبياً. فبينا هي يوماً قد خرجت لبعض شؤونها انفردت وحدها شرقي المسجد الأقصى، فبعث الله تعالى إليها الروح الأمين جبريل عليه السلام { فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } أي: تامَّ الخِلقة، فلما رأته { قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً } أي: إن كنت حذراً ذا نهية تتعظ بتعوذي بالله تعالى منك. { قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ } أي: لست ببشر، ولكني ملك بعثني الله تعالى إليك { لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً }. { قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} أي: ولست ذات زوج، وما أنا ممن يفعل الفاحشة؟ { قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ: هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } أي: كَذَلِكِ قدَّرَ الله تعالى أن يخلق منك غلاماً، وهو سهل عليه، فإن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون. { وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ } أي: معجزة على كمال قدرة الله تعالى في الخلق. { وَرَحْمَةً مِنَّا } أي: نرحم به العباد بأن يدعوهم إلى الله { وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً } أي: أراد الله تعالى حصوله. فنفخ فيها، { فَحَمَلَتْهُ } أي: ولدها سيدنا عيسى عليهما السلام { فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً }. قيل: لما ظهرت عليها مخايل الحمل، تعجب ابن خالتها يوسف بن يعقوب النجار وقد فطن لذلك؛ لما يعلم من صلاحها، فقال لها: يا مريم هل يكون زرع من غير بذر؟ قالت: نعم: فمن خلق الزرع الأول؟ قال: فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر؟ قالت: نعم: فمن خلق الشجر الأول؟ قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم: إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى. قال: فأخبريني خبرك؟ فأخبرته. وقيل: ولدته مباشرة على وجهٍ من دلالة قوله: { فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ }، والصحيح: أن مدة الحمل: تسعة أشهر؛ لعدم التصريح بغيره، وكون الأصل في النظم المتقدم حمله على العادة. والله تعالى أعلم { فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ } أي: فألجأها واضطرها طلق الولادة إلى جذع النخلة { قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً }؛ لما علمت من طبع الناس تُجاه ذلك. { فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا }، يعني: ولدها سيدنا عيسى عليه السلام { أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً }، أي: نهراً { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً * فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً } أي: فإن رأيت أحدا من الناس فَقُولِي بلسان الحال والإشارة: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً } أي: صمتاً { فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً } .. الخ القصة.
|