الإثْبَات
التّأويل: فِقْهُ النَّصِّ، وهو: تفسير النَّصِّ على خِلاف ظاهِرِه وِفْقاً لِمُقْتَضَى الخِطَاب، بأن يُصْرَف عن معناه البَارِز لعِلَّةٍ ثابتة، ويُنْظَر في القَرائن المُحْتَفَّة به اتِّصالاً وانْفِصَالاً، الهادِيَةِ إلى المَعْنَى المَقْصود به؛ إذ الخِطابُ بيِّنٌ ليس فيه جهالَةٌ في المَعْنَى، كما أوضَحْته في كتاب ( هَدْي القُرآن ) وغيرِه. وإنما قلت ( المعنى البارِز ) في تفسير الظاهر: للخُروج من خلافِ مَنْ أنكر المَجَازَ، وإلا فهو: الحقيقةُ التي وُضِعَ اللفظ ابتداءً للدَّلالة عليها، كاليَد للعُضْو الجارِح المُتَّصِل بالكَتِف؛ إذْ كُل مَعْنَى آخَر لِلَفْظِ اليَد إنَّمَا اسْتُمِدَّ من صِفاتِها، كالقُوَّةِ ( من كونها آلتَها عادَةً )، والنِّعمةِ ( من كونها وسِيلتها عادة )، هكذا، وفي هذا حجَّة على المُنكرين. تنبيه: وفَرْقٌ بينَ فِقْه النَّصِّ وفِقْه المَنْصُوْصِ؛ إذ لا يلْزَمُ من إدراكِ المَعنى إدراكُ المَعْنِي، ومن ثمَّ خاطبنا الله تعالى عنْ نَفْسِه بما نَفْقَهُ دلالتَه، ولما بلَغَ حَقِيْقَتَه قال: { لا تُدْرِكُه الأبْصَارُ }، وكذا خاطَبَنا عن الرُّوحِ بما نَفقَهُ دلالتَه، فلما بَلَغَ حَقِيْقَتَها قال: { قل الرُّوحُ من أمر ربِّي }، فَبَيَّنَ أن المَجْهُولَ مِنَ الخِطاب: المَعْنِيُّ لا المَعْنَى، وذلك إنما يكونُ في الإلهيَّات خاصَّة، وفي الغَيْبِيات من شؤون العَالَمِ العُلويّ والسُّفْليِّ عامَّة. والتَّفويضُ: فِقْهُ الخِطَاب، وهو حَملُ النَّصِّ على مُقْتَضى الخِطاب، من غير تَفسِيرٍ، بأن يُقْطَع الطَّمَعُ في مَعْرِفَة مَعناه المَقصُود به؛ اكتفاءً بأصْلِه الثابت في الخِطاب. والأصْلُ الذي اقْتَضَاهُ الخِطَابُ في صِفَات الله تعالى: ( التَّنْزِيْه المُطْلَق عن مُمَاثَلَةِ الحَوَادِثِ، مِنْ غَيْر تَحْريفٍ ولا تَعْطِيْل )؛ على ما فَصَّلتُه في [ هدي القُرآن ] وغيره بِفَضْلِ الله تعالى. والتَّحْريف: هو تَفْسِيْرُ النَّصِّ على خِلافِ ظاهِرِه ومَقْصَدِ المُخَاطِبِ به وِفْقاً لِمُقتَضَى الخِطاب في مخالَفَة الظاهِر وتبعاً للشُّبْهَةِ أو الهَوَى في مخالفة قصد المُخاطِب، بأن يُصْرَف عن مَعْنَاه البَارِز لِعِلَّة ثابِتَةٍ، وعمَّا دلَّت القَرائنُ الصَّحيحةُ أنه مَقصَدُ المُخاطِب، لعِلَّةٍ باطِلَة. فبِعِبارة أخرى: هو تأويل النَّصِّ على خِلاف مُقْتَضى الخِطاب؛ فالتَّحريف: تأويل، غير أنَّ التَّفْسِيْرَ فيه باطل؛ لأن مآله إلى الشُّبْهَةِ والهوى لا إلى مُقْتَضَى الخِطَاب. لِذلك يُطْلَق ( التأويل ) لغةً وشَرْعاً على التأويل والتَّحريفِ، لكن لمَّا كان التأويل لا يُسَمَّى تحريفاً، أثبت الأصوليون اسم التأويل للتأويل، والتَّحْرِيفَ للتَّحريف؛ تمييزاً بينهما في مُصْطَلَحَاتِهِم. والتَّعطيل: هو تَفْسِيْرُ النَّصِّ على خِلاف مُقْتَضَى الخِطَاب، بأن يُصْرَف عن المعنى المَقْصُوْدِ به لعِلَّةٍ باطِلَة من شُبهةٍ أو هوى، سواءٌ كان تفسيره بالمعنى الظاهر أو غيره؛ لأن العِبرة بما اقتضاه الخِطابُ لا بنفسِ اللفظ. " انتهى
|