الاستواء ودلائل التفويض والتأويل

:

بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة والسلام والرحمة والإكرام عليك أيها السيد الإمام: ناصر الحق بين الأنام، سيف الله الصقيل على المبتدعين اللآم، الشيخ طارق بن محمد السعدي الهُمام.

وبعد: فقد ابتليتُ بقوم جمعوا مكائدَ أسلافهم لإعجاز الدعاة الذين لم يصِلوا إلى مقامكم، ومن بين مكائدهم: ..

قولهم: إنْ فسَّرت الاستواء بالقهر، فإنه يقتضي الغلبة بعد مصارعة!!!! أو بالخلق فقد خلقه قبل السماوات والأرض!!!! أو بالملك فإنه يملكه ويملك غيره فما الداعي لتخصيصه؟!!!! ونحو ذلك.

ما دفَعَني لحَسْم الموقف بالتفويض للعجز عن الترجيح في التأويل، كما علمتنا.

فأرجو منكم الإجابة بإسهاب، حتى لا يظن عوامّ السامعين غلبة هؤلاء بالحجة.

ولكم الشكر الخالص من عبد يرجو عبادةَ الله بلقاكم والتقرب إليه بالنظر إليكم؛ فقد قرأت: { أن النظر إلى وجه العالِم عبادة }.

:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ذي الحمد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد خير العَبيد، ثم على المُبَشِّرين به وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته إلى يوم المَزيد.

عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فقد ثبت حبيبي: أن الخطاب الشرعي نزل بلسانٍ عربيّ مبين، يعني: لا خفاء فيه البتَّة.

فإن قيل: صفات الله تعالى ليس من ذلك؛ لكوننا لا ندركه؟!!

قلنا: المستقرئ للِسان العرب، يُدرك أن اللفظ يوضع ابتداءً للدلالة على الشيء، ثم يجوز إطلاقه على ما ارتبط بما وُضِع له في وجه من الوجوه، وإن كان للمرتبط دليل مستقلّ ابتداءً؛ لتغاير الحقائق.

ثم أُطْلِق على الأول: الحقيقة، وعلى الثاني: المجاز.

وهذه قاعدةً عامَّة، نخرج منها بفوائد:

الأولى: أن المجاز غير منحصر فيما ورد عن العرب من التجوّز، بل يجوز التجوز إلى كل مرتبط بالشيء.

الثانية: أن إطلاق اللفظ على الشيء لا يدل على ثبوت حقيقته له، كما في إطلاق اليدين للقرآن، والخرطوم للإنسان.

الثالثة: أن فَهمَ المراد باللفظ لا يقتصر على إدراك حقيقة المدلول عليه به، بل يقع على فهم المراد منه؛ حتى أنَّا لا نعرف حقيقة الهواء، ولا الروح ..

وعليه، ولما لم يصحّ أن يُخاطِبنا الشَّارعُ بما يُفْهِمُ حقيقةَ الصّفات القدسيَّة؛ لأنه يَعْلم عجزَنا عن إدراكها، كما قال الله تعالى: لا تُدركه الأبصار ، فلم يبق إلا أن يكون خطابه بما يُثبت الصّفات من خلال ما يدلّ عليها: وجب إثبات ما أثبته الشارعُ لله تعالى من الصِّفات بالعِبارة الوارِدة منزَّهة عن معاني المحدثات.

وأما ما أضيف إلى الله تعالى من معاني المُحدثات، فلا يجوز وصفه به؛ لاستحالته، وكونه إثباتاً لما لم يُثبته الشارع له.

فلا يُقال: نصف الله تعالى بالاستواء! وإنما يُثْبَت " الاستواء " بالإضافة تفويضاً أو تأويلاً؛ لأن الله تعالى لم يُثبت لنفسه صفة الاستواء، وإنما خاطبنا بشيء متعلق بالعرش، مضاف إليه، اسمه " الاستواء ".

ولما كان العرش محدثاً اقتضى أن يكون ما تعلَّق به ظهوراً وحقيقة محدثاً.

فانتفى كون " الاستواء " صفة لله تعالى؛ لاستحالة حدوث صفة له سبحانه، ولم يبق إلا أن يكون " الاستواء " صفة للعرش.

فيكون قول الله تبارك وتعالى: الرحمن على العرش استوى و ثم استوى على العرش ، معناه: أنَّ الله تعالى فعل فعلاً في العرش سماه " الاستواء "، فبات العرش مستوياً.

والأرجح: أن فعل الاستواء، يتعلق بالعالم كلِّه؛ للقرائن المحتفَّة به.

فيكون _ باعتبار أن العرش أعظم المخلوقات من كل الوجوه _ تنبيهاً بالأعلى على الأدنى، أو أن العرش هو العالَم؛ لكونه يُطلق على المُلك مجازاً، وهذا العالم هو ملك الله تعالى.

وعليه، فتكون " صفة الاستواء ": هي صفة للعالَم، تعني تمام نظامِه المقهور لله تعالى، وذلك متعلق صِفة " القهر " لله سبحانه.

وأما القول: بأن " الاستواء " حقيقي، بمعنى: أنه فعل ذاتي لله تعالى، معناه جلوسه على العرش! أو علوّه الذاتي عليه! فهو قول ساقط مردود بالتوحيد الذي بُعثت به الرُّسل جميعاً؛ لأنه يتنافى مع الألوهيَّة بإثباته معاني المحدثات له _ سبحانه وتعالى عما يصفون _.

ومن جهة أخرى: ليس في دين الله تعالى ما يُرجّح المعنى الحقيقي على غيره من المعاني التي يدل لفظ " الاستواء " عليها، بل الأدلة والقرائن المُحكمة المطلقة عن القيد على استحالة ذلك وبُطلانه.

ولا نجاة لمن يُثبت " الاستواء " على حقيقته، ثم يزعم عدم التشابه المُطلق بين ما يسميه " استواء الخالق " وبين " استواء المخلوق "؛ لأن التشابه قد ثبت بإثبات حقيقة مشتركة وإن اختلفت صفتها.

وهكذا يُقال في " العين "، و" اليد "، و" الساق " .. الخ

إذاً، نحن لا نتكلَّم في حقيقة الصّفات، وإنما في الخطاب الدال على الصفات، من حيث فهم دلالته المجازية.

ومَن فَهِم دلالةَ اللفظ على صفة القدرة مثلاً، لا يعني أنه أدركها، بل يعني أنه فهم أن الله تعالى يوجِد كل ممكن ويعدمه بلا واسطة، وهو المراد باللفظ.

وعليه: فيُفهم الخطاب بمعرفة دلالته حقيقة أو مجازاً.

فإن علمت هذا، فاعلم: أن ردَّهم تأويل " الاستواء " بالقهر، لزعمهم: أنه يقتضي الغلبة بعد منازعة! أو السبق بالعجز عن القهر! .. الخ هرائهم، قول ساقط لا يُسمن ولا يُغني من جوع؛ لأن القهر المبني على ذلك: هو قهر الخلق بعضهم لبعض، لا قهر الواحد القهَّار.

والله تعالى متَّصف بالقهر، فهل استحق ذلك بعد ما زعموا؟! سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت الحميد المجيد.

وتأويل البعض للاستواء بـ" الاستيلاء ": هو بمعنى القهر، أو القدرة التامة الخالية من معارض، على أن لفظة " ثم " في قوله تعالى: ثم استوى على العرش ليس لترتيب ذلك، بل هي: من باب ترتيب الأخبار، وعطف بعضها على بعض.

فإن قيل: فالقهر والاستيلاء حاصل بالنسبة إلى جميع المخلوقات، فما فائدة تخصيصه بالعرش؟

فقد تقدَّم الجواب عليه عندنا، وأنه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، أو المجاز المؤول بالعالَم الذي هو: جميع المخلوقات.

ولقد خصه الله تعالى أيضاً بقوله: رب العرش العظيم مع أنه رب كل شيء، أم عندهم غير ذلك؟!

وهذا يدفع اعتراضهم على تأويل الاستواء بالملك، بل يكون هذا النص مفسِّراً لنص الاستواء.

وكذا يُقال في اعتراضهم على تأويله بالخلق.

فإذا ثبت ذلك: فمن جعل " الاستواء " في حق الله تعالى ما يفهم من صفات الحوادث: فقد أثبت جهله المُركّب حتى بهيئة هذا العالم! ووقع في التَّشبيه والتجسيم.

فإن قال: استوى بذاته، أو استوى حقيقة! فقد ابتدع هذه الزيادة الضلالة؛ التي لم يُثبتها الشّارع، بل أثبت استحالتها وبطلانها.

علماً بأن " الفوقية " لا تقتضي فضيلة من حيث هي المكان، وإنما من حيث أنها فوقية المكانة كالملك والقهر.

هذا، واعلم حبيبي: أن إرشادنا لكم بالتفويض عند العجز عن التأويل، ليس مجرَّداً: بأن نترك كلمة الحشوي مرفوعة، ونلجأ نحن للتفويض! بل لا بُد مع التفويض مِن كشف تقوُّل الخَصْم وحشوه على دين الله تعالى ( بأن نطالبه بالدليل على دعواه في ترجيح المعنى الذي انتقاه ).

وذلك ما أرجو أن تكون مدركاً له، عاملاً به.

ففي نحو سؤالك: تطالب المدَّعي بالبيّنة على إرادة الله تعالى المعنى الحسّي الحقيقي، ولسوف تبهته، وتظهر بين الناس: حرصَك على التوحيد والاتباع، واجتهادَه في البِدَع والقول في المُبْدِع بما هو من صِفات المبتَدَع.

والحمد لله رب العالمين.

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي