شرح المفهوم من آيات الاستواء على العرش

بما يطابق أصول اللغة والتوحيد وبلاغة القرآن العظيم

قال الباحث حامد بك عبد الرحمن:"

قد أوضحنا في المقالة الأولى ما يجب فهمه من " الاستواء على العرش " المذكور في جملة آيات مع خلق السماوات والأرض، بأن المقصود: هو لازم معناه، وهو: تدبير المملكة الإلهية وتسخير ما فيها، وهو وصف فعلي تأثيره حاصل في السماوات والأرض وما فيها، لا وصف ذاتي كالعلم والحياة، وأثبتنا أن هذا هو الذي يصح أن يُنسب لربّ العالمين، دون الجلوس والاستقرار على العرش الذي ينبني عليه جملة استحالات عقلية ولغويّة، فضلاً عن استلزام التناقض بين آيات الاستواء وغيرها، وبين صفات الجلال والكمال الإلهية، وأخصها الفناء المطلق عن كل ما سواه، فمهما فرض في الاستقرار من نفي الكيفية فهو استقرار حاصل بعد أن لم يكن، وهذا وحده كاف لاستحالة اتصاف رب العزة والكبرياء والغنى المطلق به، فضلا عن الأدلة العقلية السابق ذكرها في تلك المقالة.

ولزيادة تأكيد استحالته على الله تعالى، نورد الآيات المناقضة لمعنى الاستقرار على العرش، والأدلة الكونية، فنقول:

[ من ] الآيات المناقضة لمعنى الاستقرار .. هي:

أولا: قال الله تعالى في سورة الحديد: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أين ما كنتم، والله بما تعملون عليم }.

فإذا فهم من الاستواء والمعية ظاهرهما الذي هو " الظرفيّة المكانية " لزم التناقض؛ لأن الاستقرار على العرش يمنع المعية المكانية مع أهل الأرض، والتناقض في كلامه تعالى محال، ولزم اتصاف القديم جل وعلا بصفات الحوادث ( وهي المعية المكانية وما يتبعها ) وهو محال.

فإن قيل: المقصود من المعية: لازمها، وهو " العلم "؛ بقصد التخلص من مماثلة الحوادث؟

فالجواب: كذلك المقصود من الاستواء: لازمه، وهو تدبير المملكة الإلهية؛ لأن الموجب في الاستواء والمعية واحد، وهو: ضرورة ملاحظة التقديس عن مماثلة الحوادث.

أ- وفضلا عن ذلك، فإن الموجبات لهم الاستواء بالتدبير أكثر من موجبات فهم المعية بلازمها _ كما سيأتي بيانه _، مناسب لمعنى التدبير للملكة، ومرتبط به في المعنى، بخلاف الاستقرار الذي لا يتوقف عليه التدبير.

ب- كونه تعالى معنا بعلمه وصفاته كما يليق بتقديسه، وكونه بصيراً بأعمالنا، كل هذا يدل على المراقبة، والمراقبة تقتضي الإجراءات والتصرفات التي أرادها تعالى بكل مخلوق، وهذا كله يدخل ضمن التدبير، بخلاف الاستقرار.

ثانياً: قال الله تعالى في سورة ق: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد }، وفي سورة الواقعة: { ونحن أقرب إليه من منكم ولكن لا تبصرون }.

فلو فهم الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار المكاني، لزم التناقض مع هذه الآيات، والتناقض في كلام الله تعالى محال.

فإن قيل: إن الاستقرار هو بالأمر والحكم والتصرّف، رجع الأمر إلى معنى تدبير المملكة الذي أشرنا إليه.

ثالثاً: قال الله تعالى في سورة الأنعام: { وهو الله في السماوات وفي الأرض، يعلم سرّكم وجهركم ويعلم ما تكسبون }.

فلو فهم الاستواء بمعنى الاستقرار، للزم التناقض مع هذه الآية الشريفة، والتناقض في كلام الله تعالى محال.

رابعاً: قال الله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية }.

فلو كان تعالى مستقراً على العرش لكان محمولاً بالملائكة المحمولين بقدرته، ولكانوا أقوى وأولى بتدبير الملك، ولكان مفتقراً لمن يحمله! وكل هذا من صفات الحوادث الفقراء العجزة، ولكنه تعالى قديم غنيّ عما سواه، قادر لا نهاية لقدرته.

أما الأدلة الكونيّة، فهي:

أولاً: بما أن الأرض كرويّة، والسماوات محيطة بها، والعرش فوق السماوات، فلو كان الاستواء على العرش بمعنى " الاستقرار المكاني " لزم اتصافه تعالى بما لا يليق بعلوِّه ورِفعة شأنه على خلقه، ولزم التغيّر في صفاته تعالى، وكل هذا محال للأدلة الآتية:

أ- أن أهل الأرض يفهمون أن الله تعالى فوقهم على فرض أنه تعالى مستقر على العرش، ولكن إذا دارت الأرض نصف يوم رجاء الليل انعكس الأمر، فيفهمون أن رب العزة تعالى تحتهم، وهو محال من وجهين: ارتفاع المخلوق على الخالق جل وعلا، وتغيّر صفات الخالق سبحانه، وما أدى إلى المحال فهو محال.

ب- إن أهل الأرض في القسم المقابل يفهمون أن رب العزة تعالى ليس فوقهم، بل تحتهم، وهذا محال؛ لأنه لا يصحّ أن الخالق تعالى فوق قوم وتحت آخرين. فإذا دارت الأرض نصف يوم انقلب حال هؤلاء فصاروا يفهمون أن رب العزة تعالى فوقهم بعد أن كان تعالى في نظرهم تحتهم، والتغير في صفات القديم محال.

ثانياً: أن الاستقرار المكاني على العرش ضروري لملوك الأرض؛ لأنه يتوقف عليه الاعتراف بتقلّدهم الملك والخضوع لأوامرهم وأحكامهم. أما ملك الملوك والممالك فلا يتوقف ملكه على هذا؛ فإنه تعالى ملك قبل أن يخلق العرش وما حواه من السماوات والأرض، كما أنه تعالى قهر عباده على تنفيذ ما أراد، فكلهم مسخرون بقدرته طوعا وكَرْهاً، عرفوا أنه تعالى ملكهم أو لم يعرفوا، فنسبة الجلوس والاستقرار على العرش إليه تعالى محال؛ لأن فيه تشبيه بملوك الأرض، وإيهام أن الخضوع لإرادته يتوقف على هذا الاستقرار، وكل ذلك محال.

ثالثا: لو كان الله تعالى مستقراً على العرش، لتخيّل الفكر مكاناً أعلى من العرش بآلاف الأميال، لجاز عقلاً أن يرتفع الإله تعالى إلى ذلك المكان الأعلى، فعدم ارتفاعه إليه يحتاج إلى مرجّح؛ لأنه لا ترجيح بلا مرجح، والاحتياج إلى المرجّح من صفات الحوادث، ولكنه تعالى قديم.

رابعاً: لو كان تعالى مستقراً على العرش لاقتضى الحال أحد ثلاثة أمور: إما أن يكون تعالى مساوياً للعرش، أو زائداً عليه، أو ناقصاً عنه. وكل هذا تحديد وتقييد، وهما من صفات الحوادث، ولكنه تعالى قديم، وحيث أن فهم الاستواء على العرش بمعنى الاستقرار قد أدّى إلى هذه المحالات فهو محال.

فإن قيل: فما حكمة وجود العرش؟ وما حكمة الإخبار بأنه تعالى استوى عليه؟ وما سبب توجّه الضمائر إلى العرش؟

فالجواب: أن حكمة وجوده يعلمها الله تعالى، ولسنا مكلفين بالبحث عنها، ولكن يمكن فهم بعض الحكم، وهي:

1- إنه تصدر منه الأوامر والأحكام إلى الملائكة لتنفذها في العوالم.

2- أنه تعالى أخبر بأنه خلق السماوات والأرض ثم استوى على العرش يدبّر الأمر، وهذا هو سبب اتجاه السائلين بضمائرهم وأفكارهم للعرش، انتظاراً  لتحقيق مسألتهم وإجابة ملتمسهم من ربهم ، لا أنه تعالى فوق العرش؛ كما أن المصلي يتجه بوجهه للقِبلة في الصلاة، وليس الله تعالى في القِبلة.

ونؤيّد ذلك بمثال من أنفسنا: فإذا ذُكر الملك، فإن الفكر يتجه لقصره الذي هو محل حكمه، مع أن الملك قد يكون في أوروبا.

ولكن هذه عادة الخيال لا العقل، ولا يتيسر للعبد ترك هذه العادة حتى يترقى عقله في المعرفة بالله تعالى، وتتمكن العقائد من قلبه فتصير كأنها مشهودة له على الدوام، فعند ذلك يتجه لربه تعالى بقلبه مع كمال التقديس والتعظيم، وهذا هو التوجه الحقيقي لله تعالى بالقلب. أما التوجه بالخيال: فليس حقيقياً؛ لأن الخيال لا يدرك الحقائق، لأن إدراكه معلول بالقياس على ما تدركه الحواس، والحواس لا قدم لها في إدراك الصفات الإلهية، فالخيال أعجز منها في ذلك.

والمخطئ في فهم الاستواء بمعنى الاستقرار: جعل نفسه محكوماً بحواسه وخياله، كمن رأى السّراب فظنه ماء؛ طبقاً لحال عينه، وليس كذلك، أو من ركب القطار فظن أن الأرض تجري من تحته، وليس كذلك.

فالعاقل: لا يقبل أن يكون عقله تحت حكم حواسّه، بل يجب عليه أن ينتفع بعقله، ويتصرف بذوقه في معاني القرآن العظيم، ويفهمها بما يتفق مع بلاغته، ومع التقديس الإلهي، ولا يكون كمن جاء لرسول الله ومعه خيط أبيض وخيط أسود ويسأله عن الوقت الذي يمكن فيه الامتناع عن الأكل ليلاً، مع أنهما يمكن تمييزهما من بعضهما طول مدة الليل، فأجابه بما معناه: ( ليس هذا يا عريض القفا، إنما المقصود: هو تبين النور من الظلام في مطلع الفجر ).

فنسأل الله تعالى أن يلهم عقولنا وقلوبنا وبصائرنا معرفة الحق، والتمسّك به على الدوام، بحق فضله وإحسانه ورحمته وإكرامه لرسوله وأصحابه وأهل بيته ومشايخنا أجمعين.