الإلهية؟

قال شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي رضي الله عنه::"

وتوضيح " تقرير الإلهية .. " في مسألة .. " إثبات معنى الإله "!

وفي خطاب الوَحي كفاية لمعناه اللغوي ( المراد بكلام الناس ) والشرعي ( المراد بخطاب الوحي ):

ففي كتاب الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأمُورُ [فاطر:3-4]، إذ فيه بيانُ ما يلي:

* أن معنى " الإله " في الخطاب اللغوي والشرعي: هو المؤثِّر في الكون؛ كما يظهر من عود الجواب على السؤال، فكان السؤال: عن وجود مؤثر في الأحداث الكونية غير الله تعالى، وأجاب عنه بالنفي، معللا ذلك: بأن الله تعالى هو الإله الذي لا إله غيره، فثبت: أن الإله هو المؤثر.

* وأن " الإله " لا يكون إلا واحداً على التحقيق، خلافاً لما فُتِنَ به المشركون من الظنون والأهواء في شركائهم ( على ما سيأتي ذِكْرُه ).

* وأن المشركين كانوا كافرين بإلهية الله تعالى أو بوحدانيتِه الإلهية ( على المعنى المقرر )؛ حيث أنهم كذبوا الرسل عليهم السلام في الدعوة إلى الله تعالى أو إلى التوحيد على حد سواء! فهم مُتَّفِقُون على عدم توحيد الله تعالى إلهياً ( كما قال الله تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾[يوسف:106] )، ومتفرقون في إثبات إلهيته ( كما قال الله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ [فصلت:9]، وقال بعضهم: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ [ص:5-6]؛ وذلك: لفرط تشبيههم الإلهَ بالكائنات! فتصوروا استحالة قيام مؤثر واحد على حوادث الكون المختلفة، قياساً على عجز الكائن الحاكم عن القيام بشؤون رعيته دون مساعدين، أو على واقع تعدد الكائنين القائمين على الأحداث المختلفة؛ تبعا لتخصص كل قائم بالحدث الذي يقوم عليه! )، وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:5]! ومن ثم قال الله تبارك وتعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ تأليهاً أو توحيداً وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:28].

وفيه [ يعني: كتاب الله تعالى ] أيضاً: قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:59-64]؛ وهو صريح في نِسْبة الآثار للإلهيَّة كَمُتَعَلَّقَاتٍ لها، ما يدلّ: على أن معنى الإله إنما هو المؤثر ( الفعَّال )، كما تقرَّر.

و [ في كتاب الله تعالى أيضاً، نصوص ] يتجلى هذا ( المعنى المقرَّر ) [ فيها، كما ] في نحو قول الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ؛ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:91]؛ حيث صرح:

* بأن " الإله " وصْفاً: إنما هو المؤثر لذاته في الكون، فيكون خالقاً وحاكماً .. الخ!

* وأن المشركين وصفوا شركائهم بالإلهية المقررة، سواء على سبيل الاشتراك مع الله تعالى ( معاونة ) أو الافتراق عن الله تعالى ( مُنَادَدَةً )؛ إذ وقع أنهم اتخذوا شركاءهم آلهة، فلو لم يكن تأليههم لها على المعنى المقرر لما صح القول بوقوع الفساد المذكور بتحققه، ومن ثم كان عدم وقوع الفساد دليل على: أن تأليه المشركين لشركائهم كان بوصفهم بالمعنى المقرر، وأن ذلك التأليه باطل وإلا لوقع الفساد.

فكان المشركون يؤمنون بظنِّ أن آلهَتِهُم مؤثرةٌ في حياتهم ( فتخلق وتحكم فيهم، وتتولاهم، وتملِك لهم الحياةَ والموتَ والنفعَ والضُّرَّ والعِزَّةَ والنَّصْرَ .. الخ ما ذُكر في قول الله تبارك وتعالى: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا [الفرقان:3] ونحوه!

وهو ما وقع التصريح به في نحو قول الله تعالى: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ، قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا .. [الرعد:16]، وقوله: وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [مريم:81]، وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ [يــس:74] .. الخ؛ وذلك بناء على ظنهم تحقق ذلك المعنى فيهم.

ومن ثم! أجابهم الله تعالى بقوله: وَإِلَهُكُمْ المؤثِّرُ فيكم حقاً إنما هو إِلَهٌ وَاحِدٌ على التحقيق لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ واجبُ الوُجُوْدِ، المعْلُوْمُ باسْمِ " الله "، والموْصُوْفُ بأنَّه الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163]! وَدَلَّ عَلى ذلك ببراهِين، نحو قوله سبحانه: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا، فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء:22]؛ فثبت وُجوبُ وحدانيَّةِ الله تعالى بالإلهية، وفَسَادُ دعوى تعدد الآلهة، مع تأكيد وصف المشركين لشركائهم بالإلهية المقرَّرَة! كما تمَّ دحضُهم بنحو قوله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4]؛ حيث كشف عن قيام دعواهم على الظنِّ والهوى، وذلك من خلال إظهار عدم تأثير شركائهم في الكون، الأمر الذي اقتضى عجزَ المشركين عن إقامة حجةٍ على دعواهم سواء بسماعٍ مُوحى، أو مَعقولٍ مُدْرَك!

ومنه: قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ! قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258]، فلما انتحل شبهة الإحياء بالمتشابهات، صرفه إلى المحكمات فبهته!

ومنه: قول الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ [الأنعام:46] .. الخ.

وقد ثبت بذلك: أن اسم " الإله " لا يُطْلَقُ حقيقةً إلا على " الفَعَّال " الموصوف بالتأثير، كما تَقَرَّر.

تنبيه: ويُذكر هنا: أن بعض الزائغين ذهبوا جهلاً وافتراءً إلى خلاف ذلك: فزعموا أن معنى " الإله " لغة وشرعاً هو " المعبود "، وأن " التأثيرَ " من لوازم " صفة الربوبية "! ثم إنهم رتبوا على ذلك تركيباً مَهِيْناً: فَزَعَموا أن المشركين إنما أشركوا في العبادة مجرَّدَة عن مُقْتَضِيَاتِهَا [ بكسر الضَّاد ]، فكانوا يعبدون شركاءَهم مع كونهم موحدين لله تعالى في التأثير ( وهو ما أسموه " توحيد الربوبية " )! وذلك لأهداف يأتي ذكرها بعد تحقيق مذهبهم ..

وهو مذهب باطل من وجوه:

الوجه الأول: أنه مخالف للواقع الذي لا يزال مشهوداً في أمثال هؤلاء المشركين إلى زماننا هذا [ ومن كلمات مولانا شمس الزمان طارق السعدي اللطيفة في البيان، أنه قال: نحن لا نجلس مع هؤلاء المبتدعة على كوكب آخر، ولا نتكلم عن عصر الديناصورات .. فالمشركون كانوا ولا زالوا على منهج واحد وإن اختلفت شرائعهم الظنية وأعيان آلهتهم البدعية، فلا يمكنهم لبس الحقيقة على الناس؛ إذ يمكن لطالب العلم النظر في شأنهم ليبصر الحق ويبلغ الحقيقة المُقَرَّرة ].

الوجه الثاني: أنه مُنكر عقلاً؛ إذ لا يُتَصَوَّر في العَقل قيامُ المرء على عِبادة شيءٍ لا يرى فيه إلهيةً ( على المعنى المقرَّر ) ولو بوجه [ كما هو واقع المشركين؛ فإنهم يؤمنون بأن لكلٍّ من شركائهم سلطان معين ]؛ وهو ما تَبَيَّن في نحو قول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا استنكارا وَمَا الرَّحْمَنُ؟ شاهدين على أنفسهم بالجهل والكُفرِ به سبحانه! وبالتالي قالوا: أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان:60]، فعلَّلوا لمعصيتهم: بأنهم لا ينقادون في العبادة عبثاً _ حيث أن " الزائغ المفتون " لا يرى نفسه عابثاً بزيغه، بل يظن أنه قائم على الحق، وهو في المقام: عدم الانقياد تعبداً إلا للموصوف بالإلهية _، وإذ كفروا بالرحمن سبحانه فإنهم لم يسجدوا له! وهذا شاهد المطلب من النص؛ لأنه يبين: أن المشركين كانوا يعبدون شركاءهم على ظنِّ أنهم آلهة [ مؤثرة: تملك لهم النفع والضر .. الخ ]، لا لمجرد أن أحداً أمرهم بذلك! ويترتب عليه: أن الذي وجدوا عليه آباءهم فاتبعوهم فيه هو: " عبادة الشركاء على ظنّ "، لا أنهم اتبعوهم في الفعل دون علم متعلق به!

الوجه الثالث: أنَّه مخالف لما صرَّح الوحيُ به فيما تقدم بعضُه؛ وخُلاصته: أن الله تعالى قد بيَّنَ فيه: أنْ لو كانت آلهةُ المشركين كما يزعمون لَفَسَدَ الكَوْنُ، وهذا قطعي الدلالة: على إيمانهم بأنها آلهةٌ مؤثِّرةٌ ( فعالةٌ ) موصوفة بما أدرجه هؤلاء المبتدعة فيما أسموه " توحيد الربوبية " وزعموا أن المشركين موحدون فيه اللهَ تعالى! لاسيما وقد جاء ذكرها ( أي: الدلالة ) صريحا: في نحو قول الله عز وجل: .. وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ؛ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:91]، وعمَّا يصف هؤلاء المبتدعةُ المارقون ..

تنبيه: ولا يغنيهم [ يعني: المبتدعة المذكورين ] تعضيدُ شبهتِهم هذه بمثلها من " نصوص الدعاء "، نحو قول الله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]؛ لأنها صريحة في قيامهم على الشرك ( المبَيَّن أنه واقع في الإثبات والتَّعَدُّد ) إيماناً! وذلك يدل: على أن إخلاص الدين المذكور: إنما كان من باب " إخلاص الفعل " _ الذي يظهر من خلال السبر والتحقيق: أنه مبنيٌّ على الفِطرة ( القائم فيها بعهد الذرِّ: ثُبُوت إلهٍ مُؤثِّرٍ في الكون، والذي يُعْلَمُ أنهُ الله تعالى بالنظر والسمع )، دون معرفةٍ بأن الله تعالى إلهٌ، فضلا عن معرفة أنه واحدٌ _ لا من باب التوحيد، إن صح التسليم بالإثبات العِلْمِيّ! فقد قال الله تعالى عن بعضهم: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ وضمنيا: الذي تألَّهت له نفوسنا ( أي تَوَجَّهت لإلهيَّته ) فِطْرياً؛ لِعَهْد الذَّرَّة بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ [الزخرف:49].

فثبت من بيان الوحي: أن المشركين إنما أُفِكُوا في " صفات الله تعالى " كفراً وشركاً، ورتَّبُوا عليه " عبادة من نَسَبُوا إليهِ تلك الصِّفات " من شركائهم، وبطل ما ادعاه الزائغون في وجه شرك المشركين!

وبقي متابعة هؤلاءِ الزائغين على نُصوصٍ زَعَمُوا دلالتَها على بِدْعتهم المنقوضّة .. وهي ترجع إلى نوعين:

النوع الأول: نصوص المحَاجَّة: نحو قول الله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61]، وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف:78] .. الخ! فتوهموا أن قولَه تعالى: .. لَيَقُولُنَّ اللهُ في ذِكر جوابهم: إعلام بشهادتهم بذلك، وأنه يدلّ على سبق علم المشركين بالله تعالى! ومن ثم اتخذوه دليلا على دعواهم، زاعمين أنه مُبَيِّن لتوحيد المشركين لله تعالى في التأثير الذي أسموه " توحيد الربوبية "!

وهذا فَهم باطل، واستدلال عاطل؛ بيان ذلك في وجهين:

الوجه الأول: أنه مُعَارِضٌ للمَنْطُوقِ المبَيِّنِ لحالِهِم، وهو ما تقدم بعضه من الآيات القطعية الدلالة على كفرهم جميعاً بالله تعالى إثباتاً أو توحيداً، وعلى إيمانهم جميعاً بإلهية شركائهم ( على المعنى المقرر )! ومنه أيضاً: قولُ الله تعالى عنهم: إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ! قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ [هود:54]، وفيه التصريح: بإيمان المشركين بإلهية شركائهم على المعنى المقرر، وبِكُفْرِهم بالله تعالى إلى درجة أنهم ظنوا الرسل مصابين بلعنةِ آلهتهم، فضلوا عنها بدعوتهم إياهم إلى الله تعالى!

وهذا يقتضي: أنه على فرض قيام جواب بعض المشركين على علم مُسْبَق بالله تعالى، فليس هو من باب توحيده، إن صح التسليم بأنه من باب إثباته؛ [ ومن كلمات مولانا شمس الزمان طارق السعدي في البيان، أنه قال: فقد ثبت من خلال الواقع الذي نعيشه أن المرء يمكن أن يحمل معلومة لا يؤمن بها، وهو ما يظهر من أمر المشركين الذين يمكن إثبات معرفتهم بالله تعالى؛ لما صرح به الوحي وبيناه من كفرهم وشركهم! ويتجلى ذلك في قول الله تعالى عن بعضهم: وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ .. [الزخرف:49-50]، فأظهروا معرفتهم بالله تعالى مبينين تجردَها عن الإيمان به فضلا عن توحيده بالتأثير فيما أسماه المبتدعة " توحيد ربوبية " ] ..

الوجه الثاني: أن مثلَ هذا النص مجرَّداً محتمِلٌ لكونِهِ إقراراً لما تضمَّنه السؤالُ مِن الحجة ( على أن الله تعالى هو وحدَه المؤثرُ بما ذُكِر )، فيكون سياقه كذلك من باب " إظهار قوة الدليل "، أو " قيام الحجة على المعَانِد "، كما لو أقمت الحجة على وجود زيد في الدار دون سواه، فإنك تقول: لئن سألتهم [ يعني: من أقمتَ عليهم الحجة ]: مَن في الدار؟ ليقولن: زيد! وهو ما رجَّحَه التصريحُ به وحياً، ومن ذلك: قول الله تعالى: قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ قُلِ اللهُ! قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا .. الخ الآيات من سورة الرعد، وفيه التصريح بأن الجواب الحق ( أن الله تعالى هو الموصوف بذلك ) كان من السائل لا المسؤولين، والذين إن تَبِعُوهُ على ذلك فمن باب الإذعان ..

ومن ثم قال الله تعالى: وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا محاجة؟ لَيَقُولُنَّ اللهُ إذعاناً، لكنهم مستكبرون ولن يتبعوك، فـ قُلِ الْحَمْدُ للهِ على قيام الحجة عليهم، ولا يحزنك كفرهم؛ فإنهم ضالون، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [العنكبوت:63]، [ وهذا يعني: أنهم لم يؤمنوا ولم يوحدوا ] فهم معرضون؛ كما قال الله تعالى [ مصرحاً بأنهم لم يحملوا العلم الذي قامت الحجة عليهم به ( وهو في المقام: إثبات الله وتوحيده ) على محمل الإيمان ]: أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ [الأنبياء:24]!

النوع الثاني: نُصُوْصُ الاشتراك، وهي: النصوص التي وُصِفَ فيها شركاءُ المشركين بأوصافٍ مُشْتَرَكة، نحو الأولياء والشفعاء .. الخ؛ إذ " الأوصاف المشتركة " في المقام: تحتمل معنى الصِّفةِ القُدسية إلهِيًّا، والصِّفةِ المكرَّمَةِ أو المدَنَّسة كَوْنيًّا، فحملها هؤلاء المبتدعةُ على الوصف الكَوْني الخَلْقي! ليزعموا أن: المشركين سموا شركاءهم آلهة، بينما كانوا يؤمنون بهم كعِبَادٍ " أولياء " أو " شفعاء " .. الخ عند الله تعالى، مستدلين بنحو قول الله تعالى: أَلَا للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ .. [يونس:18]! وأن ذلك يدل: على أن معنى " الإله ": هو المعبود، لا المؤثِّر، لاسيما مع قول المشركين " هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ "!

والحقُّ: أن هذه الألفاظ المشتركة يعود الفصل في معناها إلى الله تعالى؛ وقَد بَيَّن سبحانه: أن المشركين آمنوا بإلهية شركائهم على المعنى المقرَّر للإلهية ( وهو التأثير )، وذلك يعني: أن المشركين قد أطلقوا تلك الأوصاف المشتركة على شركائهم بمعناها " الإلهي " لا الخَلْقِي، وهو ما جاء في نحو قول الله تعالى: أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ [يس:23]؛ حيث بين أنهم آمنوا بأن شركاءهم آلهة مؤثرة في الشفاعة لهم لتحقيق المصالح! وهو ما تجلى في قوله سبحانه: .. وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء [الأنعام:94] [ يعني: شركاء ] لله تعالى في الإلهية؛ إذ صرح بإيمان المشركين بالشَّراكة المساوية لشركائهم مع الله تعالى! .. "انتهى مختصراً [زاد المؤمنين ..].

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين باللون الأزرق [ -- ]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.

          والتنقيط .. بالأزرق في سياق الكلام إشارة إلى محذوف؛ اختصارا ..