الاستثناء في الإيمان

قال الإمام الحافظ البيهقي - رحمه الله - في كتاب ( شعب الإيمان ):"

[71] .. عن علقمة قال: قال رجل عن عبد الله بن مسعود: أنا مؤمن، قال:" قل إني في الجنة، ولكنا نقول آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله ".

[72] .. قال رجل لعلقمة: أمؤمن أنت؟ قال:" أرجو إن شاء الله ".

وقد روينا هذا عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

وروينا عن معاذ بن جبل انه خطبهم فقال:" أنتم المؤمنون، أنتم أهل الجنة، والله إني لأطمع أن يكون عامة من تصيبون من أهل فارس والروم في الجنة؛ لأن أحدهم يعمل لكم العمل فتقول: أحسنت رحمك الله، أحسنت بارك الله فيك، والله يقول: { ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله }.

[73] .. عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ .. فذكرة.

وفي هذا انه يخاطب الجماعة بذلك، ولم يعين به شخصا، وقد رجع في آخر الحديث إلى الاستثناء في دخول الجنة فقال:" إني لأطمع ".

[74] .. عن سعيد بن يسار قال: بلغ عمر بن الخطاب أن رجلا يزعم انه مؤمن! فكتب إلى أميره أن ابعثه إلي، فلما قدم عليه قال:" أنت الذي تزعم انك مؤمن؟ قال: نعم والله يا أمير المؤمنين، قال: ويحك، ومم ذاك؟ قال: أولم تكونوا مع رسول الله أصنافا مشرك ومنافق ومؤمن، فمن أيهم كنت؟ قال فمد عمر يده إليه معرفة لما قال حتى أخذ بيده.

[75] .. عثمان بن الأسود قال: قلت لعطاء بن أبي رباح: الرجل يقول لا أدري أمؤمن أنا أم لا؟ قال: سبحان الله، قال الله تعالى { الذين يؤمنون بالغيب } فهو الغيب، فمن آمن بالغيب فهو مؤمن بالله.

قال الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله: فهذا الذي روينا من إطلاق معاذ، وما روي مرسلا من تصويب عمر، وقول عطاء في تسمية من آمن بالله وبرسوله بالمؤمن يرجع إلى الحال.

قال الحليمي رحمه الله تعالى: لا ينبغي للمؤمن أن يمتنع من تسمية نفسه مؤمنا في الحال، لأجل ما يخشاه من سوء العاقبة _ نعوذ بالله منه لأن ذلك وإن وقع وحبط ما قدم من إيمانه فليس ينقلب الموجود منه معدوما من أصله وإنما يحبط أجره ويبطل ثوابه. وبسط الكلام في شرح ذلك.

وأما من أنكر من السلف إطلاق اسم الإيمان، فالموضع الذي يليق به ما قال: ان يقول الواحد أنا مؤمن وأعيش مؤمنا وأموت مؤمنا وألقي الله مؤمنا ولا يستثني كان. ولذلك قال ابن مسعود:" قل إني في الجنة لأن من مات مؤمنا كان في الجنة وليس كل من كان مؤمنا ساعة من عمره أو يوما أو سنة كان في الجنة، فعلمنا أن عبد الله إنما قال هذا لمن اتكل على إيمانه فقطع بأنه مؤمن مطلق في عامة أحواله وأوقاته فلا يعيش إلا مؤمنا ولا يموت إلا مؤمنا، ولم يكل أمره إلى الله .

فأما قول المؤمن:" أنا الآن مؤمن "، فليس مما ينكر، وإنما يصح الاستثناء إذا كان الخبر عن المستقبل خاصة، فيكون المعنى: أرجو أن يمن علي بالتثبت ولا يسلبني هدايته بعد أن آتانيها.

قال: وللاستثناء موضع آخر يصح فيه ويحسن: وهو أن يرد على كمال الإيمان لا على أصله وأسه، كما روي أن رجلا سأل قتادة: أمؤمن أنت؟ فقال: أما أنا فأومن بالله وملائكته وبكتبه وبرسله وبالبعث بعد الموت وبالقدر خيره وشره، أما الصفة التي ذكرها الله U: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم .. } قرأ الآيات إلى قوله { .. اولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم فلا أدري أنا منهم أو لا.

 فقد أبان قتادة: أنه قد آمن الإيمان الذي يبعده عن الكفر، ولكنه لا يردي استكمل الأوصاف التي حكى الله تعالى بها قوما من المؤمنين فأوجب لهم بها المغفرة والدرجات، وكان ذلك مشككا منه في الاستكمال الذي يوجب له الدرجات، لا في مجانية الكفر الذي يسقط عنه العذاب، فمن وضع الاستثناء في أحد هذين الموضعين فليس من الشكاك.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله: وقد روينا معنى هذا عن الحسن البصري:

[76] .. عن تمام بن نجيح قال: سأل رجل الحسن البصري عن الإيمان؟ فقال:" الإيمان إيمانان: فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم .. } الآيات قرأ إلى { .. أولئك هم المؤمنون حقا فوالله ما أدري أنا منهم أو لا.

[77] .. قتيبة بن سعيد يقول:" هذا قول الأئمة المأخوذ في الإسلام والسنة بقولهم، فذكر الحكاية .. قال: والإيمان يتفاضل، والإيمان قول وعمل ونية، والصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والحج من الإيمان، وإماطة الأذى عن الطريق من الإيمان، ونقول: الناس عندنا مؤمنون بالاسم الذي سماهم الله في الإقرار والحدود والمواريث، ولا نقول حقا، ولا نقول عند الله، ولا نقول كإيمان جبريل وميكائيل؛ فإن إيمانهما متقبّل ".

قال الإمام الحافظ البيهقي رحمه الله: وروينا عن وكيع انه قال: كان سفيان الثوري يقول: أنا مؤمن، وأهل القبلة كلهم مؤمنون في النكاح والدية والمواريث، ولا يقول: أنا مؤمن عند الله .

والمراد بهذا _ والله أعلم _: ان الله يعلم إلى ما يصير أمره في المستقبل وهو لا يعلم، فيكل الأمر فيما لا يعلم إلى عالمه، ويخبر عما هو عليه في الحال، وبالله تعالى التوفيق. "انتهى