الإدراك والمُدْرَكات

في كتاب ( فتح المَنَّان في تحقيق حرِّيَّة الإنسان ):"

الإدراك: هو الإحاطة بالمَوجود، على وَجهَيْن:

الوجه الأول: العِلْم، وهو: إدراك المَوجودِ على ما هو به، ويتعلَّق بالمَخلوقات كالإنسان؛ إذ هي محدودَة، وكل محدود يُمكن إدراكه، لذلك قال اللهُ تعالى: { لا تُدْرِكُه الأبْصَارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصَارَ }.

الوَجْه الثَّاني: المَعْرِفَة، وهي: إدراك المَوْجُودِ على ما هُو له، ويَتَعَلَّق بالمخلوقات الغائبة عموماً؛ لأن حدُودَها غير ظاهرة كما قال اللهُ تعالى: { ويخلق ما لا تعلمون }، وبالخَالِقُ خصوصاً؛ إذ هو مُنَزَّه عن الحَدِّ، لذلك قال الله تعالى: { فاعلم أنَّه لا إله إلا }، ولم يقل: فاعلم الله. وقال : { ولا يُحِيْطُونَ بشيءٍ من عِلْمِه } أي: ما هو به ؛ إذ سياقُ الآية الكريمة في حقيقة الوجود، كما قال : { يعلم ما بين أيديهم وما خَلفهم }، أي: يُدْرِك ما هو بهم على كل حال.

ولهذا قال : { فلا تَضرِبُوا لله الأمْثالَ } أي: لا تطبعوا لله تعالى مثَلاً في الظاهر ( بالتَّجْسِيم ) أو الباطِن ( بالتَّصْوير والإدراك ) على الجُملة ( كالشَّبَه ) أو التَّفصيل ( كالمُطابَقَة )؛ { إنَّ يعلمُ وأنتم لا تعلمون }، إي: يعلمُ ما هو به، بينما الناس عاجزون عن ذلك، فكان ما بلغ عندهم مبلغ العِلم ( على الحَدِّ المتقدم ) ولو من وجه: مخلوق لا يصح نسبته إلى اللهِ تعالى؛ وإلا كان من ضرب الأمثال، لذلك قال سيدنا أبو بكر الصِّدِّيق :" سبحان مَن لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعَجز عن معرفته ".

إشارة: والإشارة بالجمع في لفظ { الأمثال } إلى اختلاف نوع المَثَل؛ إذ التجسيم على اختلاف أوصافه نوع، والتَّصويرُ والإدراك كذلك، بهذا الترتيب في المرتبة:

فأقبحها التجسيم، ومنه: الأصنام والأوثان عند المشركين؛ إذ المقصود منها ضرب المثال للإله جملة أو تفصيلاً، وكذا: الأحياء عند من في معناهم، كالآدميين والبهائم.

تنبيه: وخبر: { خلق تعالى آدم على صورته }، ليس من هذا الباب؛ إذ المقصود به: الصورة الآدميَّة على اعتبار عودة ضمير الصّورة إلى سيدنا آدم ، أو الخلافة على اعتبار عودة ضَّمير الصّورة إلى الله تعالى؛ وكيف يُتَصَوَّر خلاف ذلك والقرآن ينطق باستحالته كما في الآيات المتقدمة وغيرها، نحو قول الله تعالى: { ليسَ كمِثْلِه شيء }، { ولم يكن له كفواً أحد }؟!

ثم التَّصوير، وهو تجسيم في الباطن؛ إذ يُضرب المثل بصورة الصَّنَم أو الحَيَّ في النَّفسِ لا في أمر خارج كالحجر والإنسان.

ثم الإدراك، وهو ضرب مثل علمي من غير تجسيم أو تصوير، كإثبات الحَدِّ والجِهة والكَيْفِ.

وجميع ذلك باطلٌ كما علمت، وأهله سواء في الإلحاد والكفر بالله الأحدِ الصَّمَد ، كما قال الله تعالى: { وما قَدَروا حقَّ قَدْرِه .. سبحانه وتعالى عمَّا يُشْرِكون }.

فائدة: وقوله : { فاعلم أنه لا إله إلا }، الأصل: أن كل معلوم معروف، وليس كل معروف معلوم، لكن سَمَّى المعرفة هنا عِلماً: لأنها ضربٌ منه: بأن يُقال: هي إدراكُ ما للمَوجود على ما هو به، أو: لأن العِلْمَ بالمَخلوق طريقها كما روي:" مَن عَرَفَ نَفْسَه فقد عَرَفَ ربَّه "، وهو معنى قول الله : { وفي أنفسِكم أفلا تُبصِرُون }، أو: لأن لفظي العلم والمعرفة مُشتركان، فقد يطلق أحدهما ويُراد به الآخر، ثم يُدرك المقصود به من خلال النظر في المَعْنِي.

فالمُدْركات نوعان:

النوع الأوَّل: علميَّة: وهي المُدْرَكات المَقْرُوْءة للمَوجود على وِفْقِ المَحْسُوس الكائن في الوجود: إما جوهراً ( وهو: كل ذي حجمٍ مُتَحَيِّز في مكان ) أو عَرَضاً ( وهو: المَعنى القائم بالجَوْهَر، كاللون ) أو جِسْماً ( وهو المؤلّف من جوهرٍ وعَرَض فأكثَر ).

النوع الثاني: عرفيَّة: وهي المُدْرَكات المَجْمُوْعة للمَوجود بناءً على المَحْسُوس.

ولحصول المُدركات سبيلان: الشهود والوُجود.

فالشُّهُوْد: يحْصل منه مادَّةُ العقل في الإدراك والبيان، وهو: ما كان مَحْسُوساً، ويُدْرَكُ من وجهين:

الأوَّل: القِراءَةُ: من طَرِيْق الحَواسِّ، ويُسَمَّى تجوزاً: البَصَر، بأن يُدْرَك المَوجُود المُبْصَر بالبَصَر، والمَسْمُوع بالسَّمع .. الخ.

الثاني: البَصِيرة: من طريق القَلب: وهو وِعَاءُ العَقلِ الذي تجتمع فيه المُدْرَكات، بأن يُدْرَك المَوْجُود بما حَصل عقلاً من العِلم والمَعرفة به، وذلك من طريقين:

الطريق الأول: التأثير، ويحصل بالنَّظر في المُدْرَكات على وجه الاستفادة، وهو نوعان:

استدلال: وهو إدراك المُؤثِّر من خلال النَّظَرِ في الأثَر.

وفَراسَة: وهي إدراك الأثَر من خلال النَّظَرِ في المُؤَثِّر.

الطريق الثاني: النُّور: ويحصل بالوحي والإلهام الإلهي، المُعَبَّر عنه بالعِلْمِ اللدني في قول الله تعالى: { وعَلَّمْنَاه من لدُنَّا عِلما }، قال بعضُهم:

وإليه الإشارة بقول بعضهم:

فإن كان من الوحي والإلهام الشيطاني سمِّي ظلاماً؛ من قول الله تعالى: { أومَن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارجٍ منها }.

والوجود: ما كانَ مُجَرَّداً عن الحِسِّ، بأن يُبْصِرَ العَقلُ موجوداً حاصِلاً في النَّفْسِ، فيجمعه ( أي: يُعَرِّفه من طريق التَّشبيه بالمُدْرَكات الحاصِلَة من سبيل الشُّهود )، ثم يقرأه ( أي: يخرجه إلى الحِسِّ على وِفْقِ تَعْرِيْفِه له ).

فالسبيل الأول من الحاضر إلى الغائب والمُجَرَّد، والثاني: من المُجَرَّد إلى الحاضر، وتلك فائدة المُدركات، والتي يمكن تقسيمها على النحو التالي:

وفائدة المُدركات على وجهين:

ذاتية: تعرف بها ذواتها عند المُباشَرة.

وغيريّة: يعرف بها غيرها مما جانَسَها ( كمحسوس غائب ) أو خالَفها ( كمُجَرَّدٍ عن الحِسِّ ) عند الجَمع. "انتهى