الحول والقوة

قال الشيخ عبد الله بن علوي الحداد رحمه الله:"

ما يعبر به عن معني التبري عن الحول والقوة، فاعلم أن أجمع العبارات عن ذلك وأشملها، قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال حجة الاسلام : الحول هو الحركة والقوة هي القدرة، ولا حركة ولا قدرة لأحد من الخلق على شيء من الأشياء إلا بالله القوي القادر وكلما جعل الله للمخلوقين إلى فعله أو إلى تركه سبيلا، كالقيام بالتكاليف فعلا وكفا، وكالسعي لطلب المعاش بأنواع الحركات من الحرف والصناعات، وما في معني ذلك فالواجب على المؤمن: أن يعتقد أن الله تعالى هو الخالق المخترع لإراداتهم وقدرتهم وحركاتهم، وإنما لما يصدر عنهم من الأفعال الاختيارية نسبة إضافة إليهم تسمى الكسب والعمل، عليها يترتب الثواب والعقاب، ولكنهم ما يشاءون إلا أن يشاء الله، ولا يقدرون على فعل شيء ولا على تركه إلا إن أقدرهم الله و { لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ومالهم فيهما من شرك، وما له منهم من ظهير }.

وعلى القدرة والاختيار الذي جعل الله لعباده يترتب الأمر والنهي، فللأمور الصادرة عنهم بالقصد مع الاختيار نسبة وإضافة إليهم وبحسب ذلك يثابون ويعاقبون.

فمعنى " لا حول ولا قوة إلا بالله ": نفي الاستقلال والاستبداد بالقوة والحول مع الاعتراف بوجود القدرة والاختيار اللذين جعلهما للعبد؛ فإن من زعم أنه ليس للعبد اختيار ولا اقتدار على شيء، وأن أفعاله الاختيارية كالاضطرارية، وأنه مجبور في كل حال، فهو مبتدع جبري، وقد أبطل بزعمه الفاسد فائدة إرسال الرسل، وإنزال الكتب.

ومن زعم أن الإنسان يستقل بمشيئته وقدرته على أفعاله الاختيارية، فهو مبتدع معتزلي.

ومن اعتقد أن للإنسان المكلف قدرة واختيارا يقدر بهما على امتثال ما أمره الله به وعلى اجتناب ما نهاء عنه، وأنه ليس مستقلا بذلك ولا خالقا له فقد أصاب السنة ودخل في الجماعة وسلم من البدعة، ولهذا شرح طويل وهو سبيل وعر قد تخبط فيه وضل عنه خلق كثير، وتحته سر القدر الذي حارت فيه الألباب، وأمر بالإمساك عن الخوض فيه سيد المرسلين.

فليقنع العاقل بالإشارة، وليكفه من ذلك أن يؤمن أن كل شيء خلقه الله، وأنه لا يكون كائن بدون مشيئته وقدرته، ثم ليطالب نفسه بامتثال الأوامر واجتناب المحارم، وليقم الحجة لربها عليها على كل حال.

وفي الحديث: "" لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة ""، فافهم الإشارة في كونه كنزا تعلم أن معناه من الأشياء الخفية الغامضة؛ فإن الجزاء من جنس العمل كما قال : "" ركعتان في جوف الليل كنز البر ""، فجعل ثوابهما كنزا مخفيا لوقوعها في وقت بهذه المثابة وهو الليل.

وورد أيضا: "" لا حول ولا قوة إلا بالله دواء من تسعة وتسعين داء، أدناها الهم""، وإنما كانت دواء للهموم: لأنها إنما ترد غالبا عند فوات محبوب أو حصول مكروه، فيستشعر الإنسان عند الفوات وحصول ما يكره عجزه وضعفه عن الوصول إلى ما يشتهي فيهتم لذلك، فإذا كرر على قلبه ولسانه معني التبري من الحول والقوة، أنتج له ذلك يقينا يعلم به أنه عاجز وضعيف، إلا أن قواه الله وأقدره، فيذهب إذ ذاك همه وتتسع معرفته بربه.

ويتضح هذا المعنى من قوله :"" من آمن بالقدر ذهب همه "".

وفي إضافة الحول والقوة إلى اسمه " " الذي هو قطب الأسماء ورئيسها، وإتباعه غالبا بالاسمين الكريمين، الدالين على صفتين من صفات الذات المقدسة " العلو والعظمة "، إشارة إلى نهاية التنزيه وغاية التقديس عن أوهام توهمها من ضل السبيل وعمي عن الدليل وخاض في سر القدر، وفي حركات العباد بدون بصيرة فتنبهوا لذلك.