الفِطرة؟!

في كتاب ( تنبيه القلوب إلى السعادة الدءوب ):"

أصل الفِطْرة: الاستِعْدِاد، وقَد أعَدَّ اللهُ تعالى الناسَ للتَّوحِيْدِ بمُوجَب العَهْدِ الأوَّل، ثُمَّ قالَ : { فأقِمْ وَجْهَك للدِّيْنِ حَنِيْفاً؛ فِطْرَةَ التي فَطَرَ الناسَ عليها لا تَبْديلَ لِخْلْقِ ، ذلك الدِّيْنُ القَيّمُ ولكِنَّ أكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمون * مُنيبينَ إليه واتَّقوه وأقيموا الصَّلاة ولا تكونوا من المُشركين * مِن الذين فَرَّقوا دِينَهُم وكانُوا شِيَعاً كلُّ حِزبٍ بما لديهم فَرحون }، فبيَّن أنَّه قَيِّمٌ يَقتضي الاستقامةَ لِدِيْنِ اللهِ تعالى في النُّفوسِ العالِمَة به؛ إذ نَبَّهَ على خَفَائِه في نُفُوْسِ أكْثَرِ النَّاس فقال: { ولكن أكثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُون }، ثُمَّ بيَّنَ أنَّ خَفَاءَه إنما هو بما عرض للنُّفوسِ من قد كدورات العالَمِ السُّفلي فاقتضى الإنابة والتَّقوى والرِّياضَة بأعمال التَّزكيَة، وإلا فإن ذلك يؤدِّي بهم إلى الضلال.

إشارة: وهذا الخفاء: إنما هو في العِلْمِ بالمُوَحَّدِ ومُوجَبَات تَوْحِيْدِه؛ كما قال الله تعالى: { و أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجَعَل لكم السَّمع والأبصارَ والأفئدة لعلَّكم تشكُرون }، وقال سيَّدنا رسول الله محمد : { ما مِنْ مَولودٍ إلا ويولَدُ على الفِطرة، فأبَوَاهُ يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسَانه }.

فالإعداد للتوحيد وقَوَام الدِّين في نُفُوس الناس: العِلْمُ بـ( هو ): القَديمِ التامِّ القُدْرَة، المُتَصَرِّف لِذَاتِه في هذا الكَون، المعروف بـ( الله ) عند المؤمنين، وبـ( أسماءٍ شتَّى ) عند المُشركين، كما سوَّلتها لهم نفُوسُهم فضَلّوا عن الحقِّ؛ إذ المؤمنين والمُشركين على السواء يؤمنون بوجودِه، لكن المؤمنين يَهتدون، والمُشركين يُصْرَفون ويُؤفكون؛ قال الله تعالى: { بل إيَّاه تدعون فيكشفُ ما يشاءُ إن شاء وتَنْسَون ما تُشْرِكون }، { وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحر ضلَّ مَن تدعون إلا إياه، فلمَّا نجَّاكم إلى البَرِّ أعْرَضتم وكان الإنسانُ كَفُورا }.

فلذلك قال الله تعالى: { إنما إلهكم الذي لا إله إلا هو وَسِعَ كلَّ شيءٍ عِلماً }، وبيَّن للناس تكوينَه للعالَم ثم قال: { ذلكم ربّكم له المُلك لا إله إلا هو فأنَّا تُصْرَفُون }، { ذلكم ربُّكم خالِقُ كلِّ شيء لا إله إلا هو فأنَّا تُؤفكون * كذلك يُؤفكُ الذين كانوا بآيات يَجْحَدُون }، يعني: إنما ذاك القديم التامّ القُدرة الذي تألهونَه بالحَقِّ هو: اللهُ، فأنيبوا إليه واتَّقوه ولا تُصرَفوا وتُؤفَكوا وتتَّبعوا أهواءكم؛ { فما تَعبُدون من دونه إلا أسْمَاء سمَّيتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل بها من سلطان، إن الحُكم إلا لله أمَر أن لا تَعْبُدوا إلا إياه؛ ذلك الدِّينُ القَيِّمُ ولكن أكثَرَ الناس لا يعلَمون }.

فائدة: وإنما قال تعالى: { وجَعَل لكم السَّمع والأبصارَ والأفئدة }، لأن ذلك وسيلة العِلْمِ، وآلات الجَلاءِ المُستلزمة للشُكْر. ومن ثمَّ قال: { وأما الذين كفروا فمَثَلُهم كمثل الذي يَنْعِقُ بما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً؛ صُمٌّ بُكمٌ عُمْيٌ فهم لا يعقلون }.

ومَثَّل للمُشركين بالبَحْرِ: لأن فيه الثِّقة بانقطاع الأسباب لِمَحْدُوديَّتها مع تحقُّق الخَطَر، وذلك يكشِفُ للنَّفسِ حقيقةَ العالَمِ السُّفلي، فتَتَجَرَّد عنه، فلا تَجِد لها سبباً إلا ما أعِدَّ فيها مُسبَقاً من مُقَدِّمات التوحيد ثابتاً قائماً، فتتعلَّقُ به وتدعو بمُقتضاه، خلافاً للبَرّ.

وقد قال اللهُ تعالى: { وَمَنْ أضَلُّ ممَّن يدعو مِن دون من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهُمْ عن دُعائهم غافلُون }، فإدراك الفِطرة ظاهِرٌ من مُجَرَّدِ الدُّعاء؛ لِمَا فيه من اعتقاد ألوهيَّة المَدْعُو، وذلك لا يصِحُّ لشيءٍ مِن هذا العالم، فكان الذي يدعو ولا يهتدي للفِطرة ويطلب التوحيدَ أضلَّ النَّاس على الإطلاق، فيه قال الله تعالى: { ولقد ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كثيراً مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؛ لهم قلوبٌ لا يفقهون بها وَلَهُم أعْيُنٌ لا يُبْصِرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها، أولئك كالأنعامِ بل هُم أضَلُّ، أولئك همُ الغافِلون }، ثمَّ قال للمؤمنين: { ولله الأسماءُ الحُسنى فادعوه بها وذَروا الذينَ يُلْحِدون في أسمائِهِ سيُجْزَوْنَ ما كانوا يَعملون }.

وههنا ذِكرى لمن ظنَّ أنَّ المُشركين عند الشَّدائد يُوحِّدون اللهَ تعالى على مُقتضى الإيمان الشَّرعيِّ، إذ المقصود: أنَّهم يُدركون بذلك فِطرةَ التوحيد، فَتُقامُ عليهم الحُجَّةُ في طَلَبِ الحَقِّ؛ كما قال اللهُ تعالى: { أنْ تَقولوا يومَ القِيامَةِ إنَّا كُنَّا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنَّما أشرَكَ آباؤنا من قَبْلُ وكُنَّا ذُرِّيَّة مِنْ بَعْدِهِم، أفَتُهْلِكَنا بِما فَعَلَ المُبْطِلون؟! }.

وفي هذا بيانُ وجُوبِ معرفة علمِ الكلامِ الشَّرعيِّ على الدُّعاةِ للدِّيْنِ؛ إذْ لا تقومُ الحجَّةُ على المُشركين بالخِطاب ما لم يُدركوا فِطرة التَّوحيد وأنَّه لا إله إلا اللهُ عقلاً، وهذا ظاهر في مُحَاجَّةِ الله تعالى لهم في خطابه؛ فإنه لم يأمُرهم بعِبادته إلا بعد أن أيْقَظَهم إلى فطرة التوحيد، وأقام عليهم الحُجَّةَ العقليَّةَ على الإيمان به نحو: { لو كانَ فيهما آلهة إلا لَفَسَدَتا }.

تنبيه: فكُلُّ مَن أدْرَكَ فِطْرَةَ التَّوْحِيْدِ بِوَجْهٍ مَا، فقد أُقِيْمَت عليه الحُجَّةُ في الإسلام؛ { ذلك أنْ لمْ يَكُن ربُّك مُهلِكَ القُرى بِظُلمٍ وأهلُها غافلون }.

إشارة: واعلم أن مَعْرفةَ اللهِ تعالى إيمانٌ لا يقْضِي بالإيمانِ الشَّرعيِّ إلا على سبيلِ التَّوحيد، لذلك قال سبحانه: { يا أهلَ الكِتابِ لا تَغلوا في دينكم غير الحَقِّ وتَتَّبِعوا أهواءَ قومٍ قد ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وأضَلُّوا كثيراً وضَلُّوا عن سواء السَّبيل }، { ولو آمَن أهلُ الكِتاب لكان خيراً لهم }.

لطيفة: وفي قول الله تعالى: { لا تغلوا في دينكم غير الحَقِّ } نَدبٌ للغُلوِّ في الدِّين بالحَقِّ، كما قال الله تعالى: { ومَنْ يُعظِّم شعائرَ فإنَّها مِن تَقْوَى القلوب }، { ذلك ومَنْ يُعَظِّم حُرُمات فهو خيرٌ له عند ربِّه }، فالأول في الثَّنَاء، والآخر في الوَرَع. "انتهى