|
ضبط العلم الإلهي قال فخر الدين الشيخ محمد بن عمر الرّازي رضي الله عنه:" اعلم أن الإنسان له أحوال ثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل. أما الماضي: فهو يريد أن يعرف أن هذه الأحوال كيف كانت في الماضي؟ وذلك لا يحصل إلا بأن يعرف المبدأ الأول، ويعرف صفاته، ويعرف أنه كيف صدر عنه هذه الأحوال؟ فهذه مقدمات ثلاث، وعلى طريق كل واحد منها عقدة هائلة: أما معرفة الذات: فهي أنا لو حكمنا بكون ذاته مساوية لشيء من هذه الأشياء التي أدركناها بحواسنا ووجدانات نفوسنا ووجدانات عقولنا، لزم كونه ممكناً لذاته، وهو محال. وإن حكمنا بكون تلك الذات المخصوصة مخالفة لجميع هذه الموجودات التي عقلناها وعرفناها، بقي العقل متحيراً والهاً لا يهتدي إلى شيء. فالحاصل: أن العقل إذا أثبت تلك الحقيقة على وجه يصل إدراكه إليه لم يعرفه البتّة؛ لأن كل ما كان كذلك فهو ممكن الوجود لا واجب الوجود. وإن أثبته بحيث يكون مخالفاً لحكمة هذه الحقائق، فحينئذ يعجز عن معرفته من حيث هو هو، وإذا عجز عن معرفته وعن تصوره فكيف يمكنه أن يصفه بصفات الجلال والعظمة والتقديس؟! فهذا موقف مهيب في معرفة الذات. وأما معرفة الصفات: ففيها مقامان مهيبان جداً جداً: المقام الأول: إن تلك الصفات إن كانت مغايرة للذات، كانت حقيقة الإله مركبة من ماهيات كثيرة، وكل مركب ممكن، فالواجب لذاته ممكن لذاته! وهو محال. وإن كانت الصفات عين الذات، فهو أيضاً مشكل لوجهين: الأول: إن كل واحد من ماهيات هذه الصفات قد يعرف مع الذهول عن حقيقة الذات المخصوصة، ولو كانت الذات عين الصفة لامتنع ذلك. الثاني: إن لكل واحدة من الصفات ماهية غير ماهية الصفة الأخرى، فلو كانت الصفات عين الذات الواحدة لكان الشيء الواحد لا يكون واحداً، بل ماهيات مختلفة، وهو محال. المقام الثاني من المقامين المهيبين: إن علم الله تعالى لا بد وأن يكون محيطاً بما لا نهاية له من الكليات والجزئيات، وقدرة الله تعالى لا بد وأن تكون نافذة في كل الممكنات، وإحاطة الصفة الواحدة بأمور لا نهاية لها على سبيل التفصيل مع أنه لا يشغله شأن عن شأن، أمر ما وجدناه من نفوسنا وعقولنا، فكان تصور إدراك هذه المعاني صعباً على العقول البشرية. وأما معرفة الأفعال: ففيه موقف حارت فيه العقول وضلت الأفهام، وهو أن إسناد الأثر المعين إلى مؤثر لا يتعين البتة، كيف يُعقل؟ فإنه ما لم يحدث له إرادة أو تغير وقت أو حدوث مصلحة أو زوال عائق، فإنه يمتنع أن يصير فاعلاً بعد أن لم يكن كذلك. وأما القائلون بحدوث العالم: فقد احتاجوا إلى دفع هذه العقدة. وأما القائلون بقدم العالم: فقد ظنوا أنهم تخلصوا من هذه العقدة! وليس الأمر كذلك؛ فإنه لا شك في حدوث الصور والأعراض في هذا العالم، وأن هذه الأحوال قد توجد بعد عدمها وتعدم بعد وجودها، فإن أسندنا كل حادث إلى حادث آخر من غير إسنادها إلى موجود قديم فهو محال، وإن وجب انتهاؤها وإسنادها بالآخرة إلى موجود هو واجب الوجود لذاته منزّه عن جهات التغير فقد عاد الإشكال. واعلم أن هذه الإشكالات التي نذكر ههنا، الغرض منها: التنبيه على هذه الإشكالات، وأما تقرير كل واحد منها: فسيجيء على سبيل التمام والكمال في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. فهذا هو الإشارة إلى معرفة الماضي. وأما البحث عن الأحوال الحاضرة: فهو أن الإنسان محتاج إلى أن يعرف: أي الاعتقادات وأي الأعمال يسوقه إلى الفوز بالسعادة الكبرى والدرجة العظمى؟ وأي الاعتقادات والأعمال بالضدّ من ذلك؟ وأما البحث عن المستقبل: فهو أن يعرف أن له معاداً، ثم ذلك المعاد: يحتمل أن يكون روحانيا فقط، أو أن يكون جسمانياً فقط، أو أن يحصل القسمان معاً. وأن يعرف أحوال سعادته وشقاوته في ذلك المعاد. فهذا ضبط أبواب العلم الإلهي. "انتهى [المطالب العالية: 1/28-29]
|