|
طرق الزيغ في إثبات الصفات التظاهر والتشبيه والتجسيم والتكييف والتمثيل والتعطيل والتحريف والتجهّم
( القول بالظاهر ) هو: ردّ معنى اللفظ إلى الحقيقة الموضوع لها ابتداءً في اللغة، وهو: المعنى الحِسِّيّ المعقول. وذلك فيما يتعلّق بذات الله تعالى وصفاته القُدْسِيَّة ظُلمٌ عظيمٌ؛ لِمَا فيه من تكذيبٍ للمُحكَمات، وكفران بالقطعيَّات، وإشراك بين الله تعالى والبريَّات .. فـ .. ( التظاهر ) مبني على شعبة من شعب الشياطين، المؤدِّية إلى الإشراك بالله ربِّ العالمين، واعتقاد الوثنيّة بين ظهراني الأدلّة القطعيَّة لأصول الدِّين؛ من العقل والنقل المُبين. والمتظاهرون هؤلاء هم المعنيّون بالخبر:" سيكون ناس من أمتي يضربون القرآن بعضَه ببعضٍ؛ ليبطلوه، ويتبعون ما تشابه منه، ويزعمون أن لهم في أمر ربهم سبيلاً!! ولكل دين مجوس، وهم مجوس أمتي، وكلاب النار "، المفسِّرِ لكثير من النصوص المُجُمَلَةِ الثابتةِ في هذا الباب. وأما ( التشبيه ) من الشِّبْهُ والشَّبَهُ والشَّبِيهُ، فهو لغةً: التمثيل؛ واصطلاحاً: تشبيه الله تعالى بخلقه، من خلال وصفه بما هو من خواصّ الخلق، جملةً _ كأن تفيد عبارتُه أنَّ لله تعالى نحو عضو اليد _ أو تفصيلاً _ كأن تفيد عبارته أن لله تعالى نحو عضو اليد كيد الإنسان مثلاً _. ودليل التشبيه: ظواهر ألفاظ الصِّفات. وسببه: الجهل بأصول التوحيد، والتَّبيينِ. ودوافع المشَّبِّهة: ظنّ الاتِّباع، أو طلب الفتنة: فـ( ظن الاتِّباع ): ظنُّهم بأن خلافَ مذهبهم ذلك يؤدِّي إلى إهمال الألفاظ الواردة وتعطيل معناها!! وهذا جهلٌ مركَّب لا عُذر لأهله من الكفر والإشراك؛ لعدم إذن الشَّارع بالتَّطفُّل في أدنى مسائل الشَّرع فضلاً عن مثل هذا الرُّكن العظيم الذي هو مدار الخِطاب والتكليف بالشَّرع جميعاً. و( طلب الفتنة ): طلبهم فتنةَ الناس عن حقيقة التوحيد، المُنجية لهم من ظُلُمات الشِّرك والكفر العنيد؛ وذلك لِمَا في قلوبهم من الزَّيغ والشَّطن البعيد. ويستغل الطَّرفان ( العَجْزَ ) المأثورَ عن التوحيد الخالص الصَّحيح، ليُروِّجوا لمذهبهم الفاسدِ القبيح؛ كأن يقولوا للجهال: كيف يكون موجودٌ لا هو داخل العالم ولا خارجه ولا متَّصلاً به ولا مُنْفَصِلاً عنه؟!! هل يُعقل هذا؟!! .. الخ!! وهم بهذا أشدُّ إظهاراً لجهلهم المركَّب أو ضلالهم المؤكَّد؛ لعدم معرفتهم ( قواعدَ إدراك العُقُول )، فضلاً عن التفريق بين ما ( تُثْبِتُه العُقولُ ) وما ( تُدركه ). فإن العقول إنَّما تُدرك ما ابتنت عليه من المحسوسات، فما خرج عن قيدها عجزت عن إدراكه، دون إثباته؛ لأن كلَّ ما أدركته من المحسوسات يستحيلُ وجودُه لذاته، ما يوجب مُوْجِداً مَوْجُوْداً غيرَ محسوسٍ، وإلا استحالَ وجوده لذاته أيضاً. وإنما قال هؤلاء ما قالوا: لفرط اعتقادهم بالتشبيه، حتى أنكروا موجوداً لا يتأثَّر بمعايير الخلق وقواعدهم!! وعند مثل هذا الحدِّ من الحوار يستغل هؤلاء ما ورد على لسان بعضِ السَّلف من الطَّعن في ( الكلام ) بلفظٍ عامٍّ أرادوا به خاصَّاً هو: الكلام الباطل؛ بدليل: الشَّرع، وما أُثِرَ عنهم من الاشتغال بالكلام الحق، ليوهموا الجهال أن كلامنا من جنس ذلك المذموم، فيعرضون عن الحقِّ!! وهُنا نقول لهم: أين في أدلّة التوحيد ( النصُّ القطعيُّ الثبوت والدلالة ) على ما تصفُون لله تعالى، من المكان والحدِّ والكَيْفِ، والأعضاء والحركات والتَّغيُّرات؟!! ولن يجدوا جواباً على هذا السؤال، لأن ما يستدلّون به: إما قطعيّ الثُّبوت ظنيّ الدَّلالة، أو ظنيّ الثبوت والدلالة، أو غير ثابت فلا عبرة بدلالته. بل رأس حربتهم في ذلك: الإسرائيليات. علماً بأن مبدأ التظاهر عند هؤلاء غير ثابت، إذ يؤوِّلون بعض ألفاظ الصِّفات، مما يعني اضطراب الأصل الذي يبنون عليه مذهبهم، فما ظنُّك بالفروع؟!! فإن علمت هذا، فاعلم: أن ( المُشَبِّهة _ التَّشبيه الإجمالي _ ) ينفون عن أنفسهم التشبيه، ويزعمون أنهم يُنزِّهون الله تعالى عنه؛ لأنهم لا يقولون بالتَّفصيل!! وهذا أيضاً دليلٌ آخر على جهلهم المُرَكَّب. وأما ( التجسيم ) فهو لغةً: من الجسم، وهو: جماعة البَدَنِ أو الأعضاء أو الأجزاء، واصطلاحاً: وصف الله تعالى بالجسميَّة أو ما هو من لوازمها لزوماً بَيّناً. ودليل التجسيم وسببه ودوافعه والكلام عليه، كالتشبيه. وأما ( التكييف ) فهو لغةً: من ( الكَيْف )، وهو: الشيءُ المخصوص المحسوس، يعني: الشَّكل، ويُقال فيه: ( كيفَ ) للاستفهام عن شكل ذلك الشيء، يعني: سِماته وأحواله الحسِّيَّة المختصِّ بها، أو إثبات اتِّصافه بها، واصطلاحاً: وصف الله تعالى بالكيفيّة أو ما هو من لوازمها لزوماً بَيّناً. ودليل التكييف وسببه ودوافعه والكلام عليه، كالتشبيه أيضاً. وما ينبغي التنبيه عليه هنا: أن السؤال بـ( كيف ) عن الله تعالى قد يصدر من العوام ولا يقصدون به المعنى الذي ذكرنا، بل: السؤال عن حقيقة الله تعالى، وهو مشروع، والإجابة عليه: بتعليم السائل ما يشفيه من الواجب والمستحيل والممكن في حقِّ الله تعالى، سيَّما أن مثل هذا السؤال لا يصدر إلا عن جاهلٍ محضٍ بالله تعالى. وأما ( التمثيل )، لغةً: من ( المِثْل )، وهو: الشِّبْه، فأَصله من ( مَثَّلْت الشيء بالشيء ) إِذا قدَّرته على قَدْرِه، وسَوَّيته أو شبهته به، من مَثَل مِثْل، وهي كلمةُ تَسْوِيَةٍ. أو مِن ( المَثَلُ ) وهو: الشيءُ الذي يُضرَب لشيء مثلاً فيُجْعَل مِثْلَه أو دليلاً عليه. واصطلاحاً: ادِّعاءُ الشَّبيه لله تعالى مطلقاً، أو ما هو من لوازمها لزوماً بَيّناً، فضلاً عن التفصيل. فالتَّمثيل والتَّشبيه بمعنى، غير أن المُسَايَرة في التفريق بينهما: لكون الحشوية يطلقون ( التَّشبيه ) على التَّطابق المُطلق، بمعنى الاتفاق مع شيءٍ غير معلوم خبرياً، و( التمثيل ) على المُساواة، أي: التَّطابق المُعيَّن، بمعنى: الاتفاق التَّفصيلي مع شيءٍ معلومٍ بعينه من معان الخلق؛ إذ لا يتورَّعون عن إثبات ( الاتفاق الإجمالي ) تصريحاً أو تلميحاً، بمعنى: اتصاف الله تعالى بالشيءِ من صفات الخلق على هيئةٍ مختلفة!! أخزاهم اللهُ ولعنهم عدد كلّ ذرّة وعَرَضٍ مِن خلقه. هذا، و( المُماثَلة ): إنما تكون بين المتَّفقين في الجنس وإن اختلفا في وجه من الوجوه؛ فإِذا قيل: ( هو مِثْله _ على الإِطلاق _ )، فالمُرادُ: أَنه يَسُدُّ مَسَدَّه جملةً وتفصيلاً، وإِذا قيل: ( هو مِثْلُه في كذا )، فالمُرادُ: أنه مُساوٍ له في جهةٍ دون جهةٍ.
وعليه، لما قال الله تعالى: { ليس كمثله شيءٌ } يعني: ( ليس مثله شيء )،
دلّ على أنه سبحانه واحدٌ على التحقيق، مخالفٌ للأشياءِ، والأشياءَ مخالفةٌ
له؛ لإطلاقه وقول الله تعالى: { ولله المَثَلُ الأَعْلى }، فهو: مِنَ ( المَثَلِ )، وهو: الوصف، والشيءِ الذي يُضْرَب لشيءٍ مثلاً فيجعل دليلاً عليه، كـ( القرآن )؛ فالذي بين أيدنا من النَّظْم العربي مَثَلٌ لما هو كلام الله الأزليِّ. وأما ( التّعطيل ) فهو لغة: التَّفْريغُ والإِخلاءُ، وَتَرْكُ الشيءِ ضَياعاً بلا عمل. واصطلاحاً: إنكار ما ثبت من صِّفات الله تعالى؛ بمعنى: نفيها عن الله تعالى. وذلك كفرٌ لا جدال فيه. ويُطلقه الحشويّة ويُريدون به خاصَّة: إنكار المعنى الظاهر لألفاظ الصِّفات!! فزعموا أن أهلَ الحق والتوحيد الخالص من المُؤَوِّلَة والمُفَوِّضَةِ مُعَطِّلَة!! وقد غالوا كذباً وباءوا بإثمٍ عظيم؛ فإن أهل الحق إنما أثبتوها على المعنى المُراد بها، وعطَّلوا غير ذلك اتباعاً لا ابتداعاً، بخلافهم؛ لأنهم أثبتوها على غير المعنى المُراد بها، فكانوا _ قطعَ اللهُ فكرهم ونهجهم _ معطِّلةً فجرةً، مبتدعين كَفَرَة. وأما ( التَّحريف ) فهو لغة: إمالة الشيء وتغييره، فإن كان إمالةَ معنى اللفظِ إلى ما يحتمله مما لا يُرادُ به سُمِّيَ ( تأويلاً )، ومنه خبر:" إن في أمتي قوماً يقرؤون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله "[أخرجه أبو يعلى]. واصطلاحاً: تغير ألفاظ الصِّفات أو تأولها بغير ما أُرِيدَ بها مما يجوز أو لا يجوز فيها، لِفَهْم أو إفْهَام غير مُرَاد المُخَاطِب. وذلك كفر لا خلاف عليه. وقول الله تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }[آل عمران:7]، ليس من باب العلم بالمراد من الخِطاب في شيءٍ؛ وإنما هو _ كما قال أهلُ العلم _: في ذكر القيامة والبعث، ضَرْبَ قَوْلِ الله تعالى: { وقال الذين كفروا هل نَدُلُّكُمْ على رجل يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ ممَزَّقٍ إنَّكم لفي خَلْقٍ جديد أَفْتَرى على الله كَذِباً أَم به جِنَّةٌ؟!! }، وضَرْبَ قولِه: { وقالوا أَئِذا مِتْنا وكنا تُراباً وعِظاماً أَئنا لمَبْعُوثون أَو آباؤُنا الأَوَّلونَ؟!! }؛ قالوا: فهذا الذي تشابه عليهم، وقد أَعْلَمهم الله تعالى الوَجْهَ الذي ينبغي أَن يَسْتَدِلُّوا به على أَن هذا المُتَشابِهَ عليهم كالظاهر لو تَدَبَّرُوه، فقال: { وضَرَب لنا مثلاً ونَسِيَ خَلْقَه قال: من يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ؟ قل: يُحْيِيها الذي أَنْشأَها أَوَّلَ مرَّةٍ وهو بكل خَلْقٍ عليم. الذي جَعَلَ لكم من الشَّجر الأَخضَرِ ناراً فإذا أَنتم منه تُوقِدُون. أَوَلَيْس الذي خلق السموات والأَرض بقادر على أَن يَخْلُق مثلهم }؛ أَي: إذا كنتم أَقررتم بالإِنشاء والابتداء فما تنكرون من البعث والنُّشور؟!! فيكون قوله تعالى: { فيَتَّبِعُونَ ما تَشابَه منه } معناه: ما أشكل تصديقه وتصوُّره على الناس من البعث والإحياء. ومما يُرجِّح ذلك: أن ما لا يعلمه إلا اللهُ تعالى فيما يتعلق بخطابه للمكلفين لا يدخل في مقاصد الخطاب والمراد منه، كما ذكرنا لك فيما تقدَّم. وقول الله تعالى: { هل يَنْظُرون إلا تأْويلَه يومَ يأْتي تأْويلُه }؛ أي: قيام الساعة، وما وُعِدُوا من البعث والنشور. وقيل: ( المحكمات ) ما لم يُنْسَخْ، و( المُتَشابِهات ) ما قد نسخ. وقيل غير ذلك، غير أننا أجبنا عن وجه كونها في الألفاظ سيما ( ألفاظ الصفات ) في غير هذا الموضع، عِلماً بأن لا دليل على تخصيصها بالصِّفات كما يفعل الحشويَّة من حيث يعلمون أو لا يعلمون؛ لأنهم لا يقفون في شيء من الخِطاب وقفتهم في ذلك.
ومن ثمَّ، قال سيدنا عمر بن عبد العزيز
واعلم أن الحشويَّة يَنسبون إلينا التحريف وهم أولى به؛ لأن المعاني التي نبيِّن الألفاظَ بها، معانٍ أشهر من أن تُذْكر وأكثر من أن تُحصى في كلام العرب الذي نزل الخطاب به، خلافاً لهم؛ لتبيينهم الألفاظ بما دلَّت القطعيات من الدلائل والقرائن على عدم إرادته، بل على استحالته في حقِّ الله جلَّ جلاله. وأما ( التَّجَهُّم ) فنسبة إلى جَهْم بن صَفوان، صاحب البدع الكثيرة المشهورة، غير أن لفظ التجهُّم هذا: يُطلِقه الحشويَّة علينا لاتِّهامهم إيانا بتعطيل الصِّفات الذي تميَّزَ به جَهْم وأتباعُه وأكفرناهم به، ثمَّ أكفرناهم هم به لما علمت. فـ( التجهُّم ) إذاً، يُطْلَق ويُرادُ به ( التَّعطيل )، غير أن الحشويَّة يُطلقونه من باب التَّشتيت والمُراوغة لما فيهم من خبث طويَّةٍ وسعيٍ بالفتنة. فإن علمت هذا جميعاً، فاعلم أن للحشويَّة عبارة موهمة _ مَنْ لم يعرف أحوالهم _ بتوحيدهم وتنزيههم؛ يقولون فيها:" نثبت لله تعالى ما وصف به نفسه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل "اهـ، ويزيدون على ذلك ويُنقصون!! وقد علمت كذبَ دعواهم تلك، وعدمَ بلوغها رُتْبَة التوحيد والتنزيه؛ للقيود التي قيَّدوا موضوعَها بها؛ فهم يثبتون لله خلاف ما أثبته لنفسه: ابتداءً وتحريفاً، ويثبتون الشِّبْهَ والكيفَ والمِثلَ إجمالاً، وبعضهم تفصيلاً!! وبذلك يُحرِّفون الكلم عن مواضعه، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله؛ كذبوا بما زعموا، وضلَّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أو يُوهِمُون أنهم يُحسنون صُنعاً. وقد بيَّنَّا لك أحكامَ ذلك ولله الحمد. العبد الفقير المقر بالعجز والتقصير / أبو طه طارق بن محمد السعدي / الحسني "انتهى مختصراً [الفتاوى النورانية:1/17-27 ]
|