التَّوْحِيْد الخَالِص

قال الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد - رضي الله عنه:"

إن أول ما يُحتاج إليه من عقد الحكمة:

تعريف المصنوع صانعه، والمحدث كيف كان أحدثه، وكيف كان أوله، وكيف أحدث بعد موته، فيعرف صفة الخالق من المخلوق، وصفة القديم من المحدث، فيعرف المربوب ربه، والمصنوع صانعه، والعبد الضعيف سيده، فيعبده، ويوحده، ويعظمه، ويدل لدعوته، ويعترف بوجوب طاعته؛ فإن من لم يعرف مالكه لم يعترف بالملك لمن استوجبه، ولم يضف الخلق في تدبيره إلى وليه.

والتوحيد: علمك وإقرارك بأن الله فرد في أوليته وأزليته، لا ثاني معه، ولا شيء يفعل فعله، وأفعاله التي أخلصها لنفسه أن يعلم أن ليس شيء يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، ولا يسقم ولا يبرى، ولا يرفع ولا يضع، ولا يخلق ولا يرزق، ولا يميت ولا يحيي، ولا يسكن ولا يحرك، غيره .

فقد سئل بعض العلماء فقيل له: بيِّن التوحيد، وعلمنا ما هو؟

فقال: هو اليقين.

فقيل له: بين لنا؟

فقال: هو معرفتك أن حركات الخلق وسكونها فعل الله وحده لا شريك له، فإذا فعلت ذلك فقد وحدته.

وتفسير ذلك: أنك جعلت الله واحدا في أفعاله، إذا كان ليس شيء يفعل أفعاله.

وإنما اليقين: اسم للتوحيد إذا تم وخلص؛ وإن التوحيد إذا تم تمت المحبة والتوكل، وسمي يقينا. فالتوكل عمل القلب، والتوحيد قول العبد، فإذا عرف القلب التوحيد وفعل ما عرف فقد تم.

وقد قال بعض العلماء: إن التوكل نظام التوحيد، فإذا فعل ما عرف فقد جاء بالمحبة واليقين والتوكل، وتم إيمانه، وخلص فرضه؛ لأنك إذا عرفت أن فعل الله لا يفعله شيء غيرُ الله، ثم تخاف غيره وترجو غيره، لم تأت بالأمر الذي ينبغي، فلو عملت ما عرفت لرجوت الله وحده حين عرفت أنه لا يفعل فعله غيره.

فالقول فيمن يقصر علم قلبه: أنه ناقص التوحيد؛ لأن القلب مشتغل بالفتنة التي هي آفة التوحيد.

قلت: ما هو؟

قال: ظنك أن شيئا يفعل فعل الله، فاسم ذلك الظن فتنة، والفتنة هي الشرك اللطيف.

قلت: أو ليس الفتنة من أعمال القلب؟

قال: لا، ولكنها داخلة عليه، ومفسدة له.

قلت: وما هي؟

قال: ظنك بالله، إذ ظننت أن من يشاء يفعل فعله، والكلام في هذا يطول، ولكن من يفهم يقنع باليسير. "انتهى