خطاب الروح والمتشابهات

: هل رَوْح الإنسان من رَوْح الله؛ قال الله تعالى: { ونفخنا فيه من روحنا }؟

: هذا الخطاب يفيد قضيتين:

الأولى: الإشارة إلى شرف الروح بنسبتها إلى الله تعالى، كما تقول "بيت الله تبارك وتعالى" ولا يعني ذلك أن البيت يسكنه الله تبارك وتعالى، فهي إضافة تشريف وتكريم.

وعندما نقول أنها مضافة إلى الله تعالى إضافة تشريف وتكريم، نعني: من جهة الخلق، بمعنى: أنها روح مكرمة في الأصل، كما قال الله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم .

الثانية: استعمال المجاز في الإلهيات؛ لأن حقيقة هذا النص اللغوية ( أي: الحسية الخلقيّة ): التبعيض المقتضي للاتحاد ووحدة الوجود، وذلك مستحيل، فلزم التأويل بالمجاز الذي يعرف من القرائن المحتفة باللفظ.

فيُقال: إما أن ذلك يكون في شيء دون شيء من الإضافات، أو في جميعها!

والحقّ: أنه في جميع ما أضيف إلى الله تعالى من معاني المخلوقات؛ لأن جواز معنى من معانيها عليه يلزم منه حُدوثُه لأنها حادثة ولا يتصف بالحادث إلا المُحْدَث، ومن ثم بيَّن الله تعالى أنه: أحد صمد، لم يلد ولم، يولد ولم يكن له كفواً أحد، وليس كمثله شيء، ثم نبه الناس أن ما ينتهون إليه بعد عقد الإيمان به على ذلك ليس نفياً له ولا حيرة فيه، بل هو العجز عن إدراكه سبحانه وتعالى فقال: لا تدركه الأبصار .

فهذا النص يرجع إلى الأصل:" أن ما أضيف إلى الباري عز وجل في ذاته وصفاته ليس هو على الحقيقة الظاهرة في اللغة ".

وهنا أنبّه: أن اللغة العربية على قسمين، قد نبه الباري عز وجل إليهما بقوله: قرآناً عربياً ، وقوله: بلسان عربي .

فالعربي: المعنى الحقيقي الموضوع ابتداءً للفظ، وهو الحقائق الوضعية الظاهرة.

واللسان العربي: المعاني الغير حقيقية للألفاظ، التي استخدمها العرب تجوزاً للبلاغة في التعبير، وهي ما سميت بالمجاز، بمعنى: استعمال اللفظ للدلالة على صفة من أوصاف مدلوله الحقيقي بلاغةً، كما نقول للمبالغة في بيان شجاعة رجل: "هذا أسد".

ومعاني اللفظ المُستعمل في المجاز تتعدد بتعدد أوصاف مدلوله الحقيقي، فمن شأن المجاز: أن يعطي رحابة وسعة في المعنى؛ إذ عندما نقول "رجل شجاع" لا يتسع معنى "الشجاعة" لما يتسع له معنى "الأسد" في قولنا "رجل أسد"؛ فالأسد يعطيه صفة الملك والحاكمية والهيمنة .. الخ، فهو أشمل قطعاً.

ومثلاً: لو أردنا الإخبار عن "النعمة"، فقلنا لفظ "النعمة"، فإنه يعطي معنى محدداً، وهو: تفضُّل أحدٍ على آخر، خلافاً لنحو قولنا: "فلان له يد عندنا".

وكذلك لو قلنا "العين" في مقابل "الحراسة" أو "الحفظ"؛ فإن قيل لأحد "انتبه على هذه الحاجة"، فإما أن يقول: " حسناً أنتبه لك عليها: فأحفظ لك إياها .. ويصير يعد له معاني الانتباه "، أو يجزئه أن يقول: "بعيني"؛ لأنه يجمع كل هذه المعاني.

ولأن القرآن الكريم من أبلغ الكلام، فلا بد أن يوجد فيه هذه الألفاظ، وقد وجدت بالفعل، وهي في الإلهيات لازمة؛ لأن "حقيقة الإله": مما لا تدركه أبصارنا، فكان لا بد من استعمال ألفاظ تعرفنا بالمعنى المقصود إعلامنا به.

فإذا ادعى أحد "الحقيقة اللغوية" في شيءٍ مما أضيف إلى الله تعالى، لزمه ادعاء ذلك في الكل _ ومنه هذا النص _ ما لم يأت بدليل على التخصيص، ودونه خرط القَتَاد.

فلا يصح أن يقول قائل: هنا يوجد مجاز وهنا لا يوجد مجاز؛ فمن لا يملك دليل هذا التفريق والتمييز فكلامه مردود عليه بناءً على محكمات القرآن الكريم.

أي: عندما يقول القرآن الكريم أن الله تعالى واحد أحد، وعندما يقول أنه ليس كمثله شيء ، وعندما يقول أنه لا تدركه الأبصار ، ثم يأتينا بعد ذلك شخص ويقول: كلا! الله عز وجل قال: يد الله ، ومعناها: أن له يد ( حقيقة جارحة )! فإن قوله مردود بهذه الآيات البينات؛ إذ كيف يكون له يد؟ أليست "اليد الحقيقية" مماثلة لكل يد حقيقية في عدد من المعاني الحسية؟! ألا تدركها الأبصار؟!! وأين الأحدية مع ذلك؟!! تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا عظيماً.

لا شكَّ أن "اليد الحقيقة" ( التي هي العضو الجارحة ) مماثلة لكل يد حقيقية وإن اختلف مظهرُها ( أي: بعض معانيها )، كما لا شك بأنها تُدرك لكونها من جنس المُدركات.

فالقضية ليست بالمظهر؛ لأنه وإن اختلف بين الأمثال لا ينفي المماثلة، فتبقى يدي مثل يدك، مثل يد الطيور، مثل أيدي الدواب من حيث المَبنى ( أي: من حيث أنها يد هي عضو جسماني جارح ) وكثير من المعاني.

فلو اعتبرنا أن للباري عز وجل "يد على ظاهر هذا اللفظ بالمعنى اللغوي الوضعي الحقيقي"، لم يكن أحداً صمداً لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولكان مثله أشياء كثيرة من خلقه، ولكان مدركاً كما تُدرك تلك الأشياء!

ومن جهة أخرى: يقول الله تعالى: ليس كمثله شيء ، لا تدركه الأبصار وهذا نفي مطلق، والمعاني الحقيقية لتلك الألفاظ متماثلة في المبنى وأصل المعنى وكثير من فروعه، فهل يمكن أن يأتي القرآن بالشيء وضده في آن، أعني: يقول ليس كمثله شيء ويخبر أن " مثله أشياء "؟!

محال طبعاً.

والحقّ: أنه حين يقول: ليس كمثله شيء ، ونعرف أن القرآن فيه "مجاز"، وأن نحو "اليد" لها في اللسان العربي أكثر من سبعين أو ثمانين معنى _ أقول في اللسان العربي، وليس في لسان طارق السعدي [[ رضي الله عنه ]]، ولا في لسان محمد بن إدريس الشافعي، ولا في لسان أبي الحسن الأشعري رضي الله تعالى عنهما، إنما في اللسان العربي _، نلجأ إلى الأصل: وهو الجمع بين النصوص، والنظر في المعنى المقصود منها.

وهاهنا: ينتهي البحث إلى استعمال هذا الضرب (أي: المجاز) فيما يضاف إلى الباري عز وجل، وأنه أصل تلك الألفاظ، فتؤول به وتنفى شبهة المضادة والتعارض.

فإذا قال لنا هؤلاء المبتدعة أن نحو "اليد" بالنسبة للباري عز وجل معناها حقيقي!

قلنا لهم: فعلى أصيلكم هذا! يعني قوله سبحانه وتعالى من روحنا : أن الأرواح أبعاض من الباري عز وجل حقيقةً؟ أو أنه جزَّء روحَه وقسَّمها على الناس _ والعياذ بالله تعالى _؟!

ثم إن كان كل واحد منا روحه من روح الباري عز وجل حقيقة وجب أن نكون آلهة أيضاً _ والعياذ بالله تعالى _! أو هو قول بالاتحاد ووحدة الوجود!!

فإن اعترضوا على هذا التأويل [[ لخطاب الروح ]] وأقروا فيه بالحق [[ أي: أنه مؤول بإضافة التشريف والتكريم ]]، فلِم انحرفوا عن الحق في دعواهم؟ وما هو دليلهم على التفريق بين نص وآخر؟!

الجواب على التحقيق: أنه محض الهوى والاستكبار على اتباع الأخيار والاعتراف بالعجز عن إدراك الواحد القهار.

فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله رب العالمين.

 

 


ملاحظة: كل ما كتب بين معقوفتين مزدوجتين باللون الأزرق [[ -- ]]: فهو من زيادة الإدارة سعياً منا لتوضيح المقصود أو استدراك المحذوف.

 

 

Hit Counter