البينات الشرعية على الحقيقة الإلهية

قال شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي رضي الله عنه: في كتابه: " الاستنان ":

أقولُ حامداً اللهَ تعالى: أن الحقائقَ تُعرف بالعَيَان أو البَيَان، فلمّا كان الناسُ عاجزين عن إدراك حقيقة الباري عز وجل بالعيان، عرَّفهم سبحانه وتعالى على حقيقته بالبيان: أنه مخالف وجوداً للأكوان، وهداهم إلى سبيل فهم خطاب " الصفات الخبرية " بإحسان؛ وذلك من عدة طرق _ قد فصَّلتها في غير هذا الموضع _، هي عموماً:

بيـان الوحدانية: وهو خبر أن الباري عز وجل واحدٌ كقوله تعالى: وإلهكم إله واحدٌ ، قل هو الله أحد .

فمن جهة إطلاقِ وعمومِ لفظ هذا الخبر، والذي يؤكده الأدلة التالية: تبيَّنَ أن الله سبحانه وتعالى واحدٌ على التحقيق ( تقديساً لا تخصيصاً )، وثَبَت بأنه جل جلاله مُنْفَرِدٌ بحقيقةٍ قُدسيَّةٍ تخالف تَنَزُّهاً خصائص ومظاهر الصفات الكونيَّة.

وخصائص الصفات الكونية: هي الصفة الثابتة لها، نحو عضوية يد الإنسان الجارحة الباطشة.

ومظاهر الصـفات الكونية: هي الصفة الظاهرة لها، نحو كيفية يد الإنسان.

فعرفنا: وجوبَ انفراد الله سبحانه وتعالى بحقيقة صفاته الإلهية، ووجوبَ صرف الألفاظ المضافة إليه عن كافَّة الصفات الكَوْنِيَّة.

بيـان الخلق ودلالته: وهو خبر خلق الكون وإثبات دلالته على خالقه، كقول الله تعالى: الله خالقُ كُلِّ شَيءٍ ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ .

فمن جهة عمومِ لفظ خبر الخلق، ومقتضى دلالة كل كائنٍ على الخالق: تبيَّنَ أن كافة الكائنات بخَصَائِصِها ومظاهرها مخلوقة يستحيل وجودُها بدون إلهٍ يخلقها، وثبت أن وجودها دليل على خلقها وخلق ما قامت به.

فعرفنا: استحالة كافة الصفات الكونية ( باختلاف خصائصها ومظاهرها الممكِنة ) على حقيقة الله سبحانه وتعالى، واستحالة إرادة خصائص الكائنات أو مظاهرها بالألفاظ المضافة إلى صفاته القدسيَّة.

بيـان التنزيه: وهو خبر مخالفة الباري عز وجل للحوادث ( أي: الكائنات ) على التحقيـق: كقول الله تعالى: ليس كمثله شيء ، لم يكن له كفواً أحدٌ .

فمن جهة عمومِ ألفاظ هذه الأخبار وإطلاقها: تبيَّنَ أن الله سبحانه وتعالى مخالف لكافة الكائنات، وثبت أن مماثلة الصفة الكونية في شيء من خصائصها أو مظاهرها: مُساواةٌ لها وجوداً وحُكماً.

فعرفنا: وجوب نزاهة حقيقة الله سبحانه وتعالى عن كافة الصفات الكونيَّة، وحظر خصائص الكائنات أو مظاهرها عن معاني الألفاظ المضافة إلى صفاته القدسيَّة.

بيـان التأويل: وهو خبرُ تأويل خبرِ التنزيل: كقول الله تعالى في " النزول ": إنا أنزلناه قرآناً عربياً وتأويله إياه بـ" الجَعْل " في قوله: إنا جعلناه قرآناً عربياً ، وكذلك قول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: مَن يدعوني فاستجيب له .. وتأويله إياه بـ" التكليف " في قوله: إن الله تعالى يُمهل حتى يمضي شطر الليل، ثم يأمـر منادياً أن ينادي يقول: هل من داع .. .

وكقول الله تعالى في " كشف السَّاق ": يوم يُكشَفُ عن ساق ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون وتأويله إياه بـ" كشف شدة الهول " في نحو قوله: وجاءت سكرةُ الموت بالحق ذلك ما كنت منه تَحيدُ * ونُفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءَك فبصرك اليوم حديد ، وقد قال الحافظ ابنُ جرير الطَّبري رحمه الله تعالى في تفسيره لقول الله تعالى: يوم يُكشف عن ساق :" قال جماعة من الصّحابة والتَّابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمرٍ شديد "اهـ، ومن ذلك: ما صحّ من تأويل ترجمان القرآن سيدنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لـ" كشف الساق " بقوله:" هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة "اهـ

وكقول الله تعالى في " الإتيـانَ ": هل ينظرون إلا أن تأتيَهُم الملائكةُ أو يأتيَ ربُّكَ وتأويله إياه بـ" الإضافة " في قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيَهُم الملائكةُ أو يأتيَ أمر ربِّك .

وكقول الله تعالى في " اليـد ": وقالت اليهود يد الله مغلولةً تعبيراً عن " البخل " في قول اليهود أخزاهم الله تعالى " أن الله بخيل "!

وكقول الله تعالى في " الوجه ": كل شيء هالكٌ إلا وجهُه وتأويله إجماعاً أنه " ليس بمعنى العضو "، ولا هو صفة معيّنة، ثم قال البعض: أن المُراد به " هو " فيكون معناه:" إلا هو سبحانه وتعالى "، وقال آخرون: أن المُراد به " النِّسبة " فيكون معناه:" إلا ما أريد به الله سبحانه وتعالى مِن الأعمال "، أو: " إلا ما استثناه عز وجل " .. الخ.

وكقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة:

يا بن آدم، مرضت فلم تَعُدني! قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟

يا بن آدم، استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه! أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟

يا بن آدم، استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي .

فمن جهة ثبوت هذه الأخبار مع قيام الأدلة المتقدمة مقام العلة الصارفة للصفات الكونية عن معاني الألفاظ المضافة إلى الله تعالى: تبيَّنَ أن الألفاظ المضافة إلى الله تعالى لا يراد بها معاني الصفات الكونيَّة، وثبت أن تأويلها بتلك المعاني مخالفةٌ شرعية، وتعطيل أو تحريف للمعاني المَعْنِيَّة.

فعرفنا: صحة مجاز ألفاظ " الصفات الخبرية " المضافة إلى الله تعالى، وجواز تأويلها بالمعنى الذي تقتضيه القرائن المتحتفة.

قلت: فيلزم من هذه الأدلة البيِّنَة:

أن الحق في تأويل أخبار الصفات القدسية إجمالاً: صرفُ اللفظ عن المعاني الكونية ( بأن يُصرف اللفظ الدال على الحركة أو السكون في الكائنات " كالمجيء " عن معنى الانتقال وطريان الأحوال، واللفظ الدال على الانفصال والاتصال في الكائنات " كالاستواء والقَبْض " عن معنى الحدّ والاستقرار واللفظ الدال على التبعيض للكائنات " كالوجه والعين واليد والأصبع " عن معنى الأركان والأدوات والأعضاء واللفظ الدال على الحيِّز في الكائنات " كالعلوّ والنزول " عن معنى المكان والجهة، واللفظ الدال على الحدوث في الكائنات " كالكلام " عن معنى التعاقب والابتداء والانتهاء .. الخ )، ثم النَّظرُ في معناه من خلال القرائن المحتفة به.

أن إثبات شيء من ( خصائص أو مظاهر ) الحقائق الكونية لحقيقة الله سبحانه وتعالى القدسية ( سواء كان من جهة النظر عقلاً أو تأويل النصوص الشرعية نقلاً ) بدعة ضلالة دَنِيَّة.