|
البينات الشرعية على الحقيقة الإلهية
أقولُ حامداً اللهَ تعالى: أن الحقائقَ تُعرف بالعَيَان أو البَيَان، فلمّا كان الناسُ عاجزين عن إدراك حقيقة الباري عز وجل بالعيان، عرَّفهم سبحانه وتعالى على حقيقته بالبيان: أنه مخالف وجوداً للأكوان، وهداهم إلى سبيل فهم خطاب " الصفات الخبرية " بإحسان؛ وذلك من عدة طرق _ قد فصَّلتها في غير هذا الموضع _، هي عموماً:
بيـان الوحدانية: وهو خبر أن الباري عز وجل واحدٌ
كقوله تعالى:
فمن جهة إطلاقِ وعمومِ لفظ هذا الخبر، والذي يؤكده الأدلة التالية: تبيَّنَ أن الله سبحانه وتعالى واحدٌ على التحقيق ( تقديساً لا تخصيصاً )، وثَبَت بأنه جل جلاله مُنْفَرِدٌ بحقيقةٍ قُدسيَّةٍ تخالف تَنَزُّهاً خصائص ومظاهر الصفات الكونيَّة. وخصائص الصفات الكونية: هي الصفة الثابتة لها، نحو عضوية يد الإنسان الجارحة الباطشة. ومظاهر الصـفات الكونية: هي الصفة الظاهرة لها، نحو كيفية يد الإنسان. فعرفنا: وجوبَ انفراد الله سبحانه وتعالى بحقيقة صفاته الإلهية، ووجوبَ صرف الألفاظ المضافة إليه عن كافَّة الصفات الكَوْنِيَّة.
بيـان الخلق ودلالته: وهو خبر خلق الكون وإثبات دلالته على خالقه،
كقول الله تعالى:
فمن جهة عمومِ لفظ خبر الخلق، ومقتضى دلالة كل كائنٍ على الخالق: تبيَّنَ أن كافة الكائنات بخَصَائِصِها ومظاهرها مخلوقة يستحيل وجودُها بدون إلهٍ يخلقها، وثبت أن وجودها دليل على خلقها وخلق ما قامت به. فعرفنا: استحالة كافة الصفات الكونية ( باختلاف خصائصها ومظاهرها الممكِنة ) على حقيقة الله سبحانه وتعالى، واستحالة إرادة خصائص الكائنات أو مظاهرها بالألفاظ المضافة إلى صفاته القدسيَّة.
بيـان التنزيه: وهو خبر مخالفة الباري عز وجل للحوادث ( أي: الكائنات ) على
التحقيـق:
كقول الله تعالى:
فمن جهة عمومِ ألفاظ هذه الأخبار وإطلاقها: تبيَّنَ أن الله سبحانه وتعالى مخالف لكافة الكائنات، وثبت أن مماثلة الصفة الكونية في شيء من خصائصها أو مظاهرها: مُساواةٌ لها وجوداً وحُكماً. فعرفنا: وجوب نزاهة حقيقة الله سبحانه وتعالى عن كافة الصفات الكونيَّة، وحظر خصائص الكائنات أو مظاهرها عن معاني الألفاظ المضافة إلى صفاته القدسيَّة.
بيـان التأويل: وهو خبرُ تأويل خبرِ التنزيل:
كقول الله تعالى في " النزول ":
وكقول
الله تعالى في " كشف السَّاق ":
وكقول
الله تعالى في " الإتيـانَ ":
وكقول
الله تعالى في " اليـد ":
وكقول
الله تعالى في " الوجه ":
وكقول
سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
يا بن آدم، مرضت فلم تَعُدني! قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا بن آدم، استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه! أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟
يا بن
آدم، استسقيتك فلم تسقني! قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال:
استسقاك عبدي فلان فلم تسقه! أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي
فمن جهة ثبوت هذه الأخبار مع قيام الأدلة المتقدمة مقام العلة الصارفة للصفات الكونية عن معاني الألفاظ المضافة إلى الله تعالى: تبيَّنَ أن الألفاظ المضافة إلى الله تعالى لا يراد بها معاني الصفات الكونيَّة، وثبت أن تأويلها بتلك المعاني مخالفةٌ شرعية، وتعطيل أو تحريف للمعاني المَعْنِيَّة. فعرفنا: صحة مجاز ألفاظ " الصفات الخبرية " المضافة إلى الله تعالى، وجواز تأويلها بالمعنى الذي تقتضيه القرائن المتحتفة. قلت: فيلزم من هذه الأدلة البيِّنَة: أن الحق في تأويل أخبار الصفات القدسية إجمالاً: صرفُ اللفظ عن المعاني الكونية ( بأن يُصرف اللفظ الدال على الحركة أو السكون في الكائنات " كالمجيء " عن معنى الانتقال وطريان الأحوال، واللفظ الدال على الانفصال والاتصال في الكائنات " كالاستواء والقَبْض " عن معنى الحدّ والاستقرار واللفظ الدال على التبعيض للكائنات " كالوجه والعين واليد والأصبع " عن معنى الأركان والأدوات والأعضاء واللفظ الدال على الحيِّز في الكائنات " كالعلوّ والنزول " عن معنى المكان والجهة، واللفظ الدال على الحدوث في الكائنات " كالكلام " عن معنى التعاقب والابتداء والانتهاء .. الخ )، ثم النَّظرُ في معناه من خلال القرائن المحتفة به. أن إثبات شيء من ( خصائص أو مظاهر ) الحقائق الكونية لحقيقة الله سبحانه وتعالى القدسية ( سواء كان من جهة النظر عقلاً أو تأويل النصوص الشرعية نقلاً ) بدعة ضلالة دَنِيَّة.
|