المحبوبة

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

سئل شمس الزمان الشيخ الإمام طارق بن محمد السعدي رضي الله عنه::"

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سيدي الشيخ الإمام شمس الزمان طارق السعدي الحسني! ماذا نقول فيمن آذى أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، وبالغ في فعله حتى احتفل بيوم وفاتها! ولا يفتر عن التعرض لها! وأجاز عليها الفواحش .. ولا حول ولا قوة إلا بالله؟!

أفدني عليك السلام، وجزاك الله عني وعن المؤمنين خيرا

محبكم .. "

فأجاب رضي الله عنه::"

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحميد المجيد، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد وآله وصَحْبِه وخُلفائه وورثته خير العبيد.

عزيزي ..، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وطيباته.

وبعد: فإن امرأة قد أوحى الله تعالى بزواجها من سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم مخصوصاً _ كما في الخبر الصحيح: أن جبريل عليه السلام جاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصورة عائشة رضي الله عنها من السماء في حريرة فقال: هذه زوجتك ولم ينزل الوحي على سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو مع امرأة من نسائه إلا هي _ كما في الخبر الصحيح: إن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة وكانت من أحب الناس لسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم _ كما في الصحيح:" سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة وبُشِّرَت بالجنَّة _ كما في الخبر الصحيح:" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر فاطمة رضي الله عنها .. فتكلمت ( عائشة رضي الله عنها ) فقال: أما ترضين أن تكوني زوجتي في الدنيا والآخرة ؟ قالت: بلى والله، قال: فأنت زوجتي في الدنيا والآخرة ، وفي خبر مرض الوفاة: إنه ليهون علي الموت إن قد رأيتك يا عائشة زوجتي في الجنة _ لَسَيِّدَةٌ والذي نفسي بيده.

فلا يستهين بحرمتها إلا مارق، ولا يعتقد عَظَمَتَها إلا فائق، ولا يحن إلى نصرتها إلا تائق، ولا يسارع إلى خدمتها إلا سابق؛ فهي من سرج الآفاق، والممدود إلى رؤيتها بالأعناق، بها نقتدي ولها نفتدي وإياها نحب إلى يوم التلاق.

لذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يتحرّون بهداياهم يومَها؛ توسلاً إلى الله ورسوله!

وفي الخبر الصحيح: أن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كنَّ حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرها حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة! فكلم حزب أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس، فيقول من أراد أن يهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث كان من بيوت نسائه؟ فكلمته أم سلمة بما قلن لها، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها؟ فقالت: ما قال لي شيئاً فقلن لها: فكلميه! قالت: فكلمته حين دار إليها أيضا، فلم يقل لها شيئا، فسألنها؟ فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته! فقال لها:" لا تؤذيني في عائشة؛ فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة "، فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله.

ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر؟ فكلمته!

فقال:" يا بنية! ألا تحبين ما أحب "؟ قالت: بلى، _ في رواية: فقال: فأحبي عائشة _ فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن ارجعي إليه، فأبت أن ترجع .. .

وقد حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك التوسل بعد وفاة سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي الخبر:" فرض عمر لأمهات المؤمنين عشرة آلاف وزاد عائشة _ بإقرار الصحابة رضي الله تعالى عنهم _ ألفين وقال: أنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ". وفي خبر آخر:" أن درجا قدم إلى عمر من العراق وفيه جوهر، فقال لأصحابه: تدرون ما ثمنه؟ قالوا: لا، ولم يدروا كيف يقسمونه، فقال: تأذنون أن أبعث به إلى عائشة؛ لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها؟ فقالوا: نعم، فبعث به إليها .. ".

ولمنزلتها حرص المنافقون في صدر الإسلام على الإفك لها، فرموها بالفاحشة طمعاً بالإهانة لسيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وللإسلام، ولكن هيهات! فما لبث أن رد الله تعالى عليهم إفكهم مُنْزِلاً براءتها قرآناً مجيداً يتلى إلى يوم الدين؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات .. الآية نزلت في عائشة خاصة، فانقلبوا على أعقابهم خاسرين، هم ومن استن بسنتهم من المارقين، وإن مثلَ الآخِرين من أمتنا مثل اليهود؛ إذ قال الله تعالى فيهم: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الجمعة:5].

وقد كفينا تحقيق الأحداث التي جرت زمن الفتنة معها بما قدمه أهل الحق، فيغني عن ذكرها هاهنا: رد الطالب إلى مظانها من كتب أهل الحق ومحققيهم؛ على أنه قد تبين فيه على الإجمال: أن الزائغين قد طعنوا بالحكمةِ وحرفوا الحقائق لزرع الفتنة وتضليل الخلائق.

وفي الخبر الصحيح:" جاء بن عباس يستأذن على عائشة رضي الله عنها في مرضها، فأبت أن تأذن له، فقال لها بنو أخيها: ائذني له؛ فإنه من خير ولدك؟ قالت: دعوني من تزكيته، فلم يزالوا بها حتى أذنت له.

فلما دخل عليها قال بن عباس: إنما سُميت أم المؤمنين لتسعدي، وإنه لاسمك قبل أن تولدي؛ إنك كنت من أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا، وما بينك وبين أن تلقي الأحبة إلا أن تفارق الروح الجسد، ولقد سقطت قلادتك ليلة الأبواء فجعل الله للمسلمين خيرة في ذلك فأنزل الله تبارك وتعالى آية التيمم ونزلت فيك آيات من القرآن فليس مسجد من مساجد المسلمين إلا يتلى فيه عذرك آناء الليل وآناء النهار .. ".

هذا وإن كان المعتقد: عدم عصمتها، فذاك عند أهل الحق ليس عن الكبائر، ومع ذلك: مَن وَقع فيها ضَالٌّ مَارِق، ومن جوَّز عليها الفواحش زَائِغٌ مُفَارِق.

ونحن نعتقد الفضل أولاً لجدتي السيدة فاطمة الزهراء بنت جَدِّي سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي سيدة النساء، ثم أمنا خديجة وهي خير نساء سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمنا عائشة وهي أحب نساء سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم رضي الله تعالى عنهن.

فهذه عائشة عليها السلام! أمنا ( أم المؤمنين )، والحمد لله رب العالمين.

 

خادم الحق

طارق بن محمد السَّعْدِي / الحَسَنيّ