الأمراض الجنسية

:" { لا تقربوا } أي: لا تسلكوا مسلكاً يؤدي إلى الفاحشة والزنا بذاته "انتهى، يعني: أنه بوضعه قربة لذلك وعلما من أعلامه.

تخبر هاتان الآيتان الكريمتان وما في معناهما: أن سبيل الفواحش سبيل سيء على الناس خُلُقاً ( بالفجور ) وخَلقاً ( بالأمراض )، بل تشير آخر التقارير لمنظمة الصحة العالمية: أن الأمراض الجنسية هي أكثر الأمراض انتشارا في العالم، وأنها أهم وأخطر المشاكل الصحية العاجلة؛ فعدد الإصابات في ارتفاع مستمر في كل الأعمار، خصوصا في مرحلة الشباب، وقد ثبت في الإحصائيات أن أربعة أشخاص في العالم يصابون الأمراض الجنسية في كل ثانية، هذا وفق الإحصائيات المسجلة، والتي يقول عنها البعض: أنها لا تتعدي ربع أو عشر العدد الحقيقي.

ويمكن لشخص واحد يحمل مرضا واحدا منها أن يحدث وباء في بيئته، وقد أكدت دراسة أجريت في بريطانيا منذ أكثر من ثلاثين عاما تقريبا هذه الحقيقة، حيث تسبب مصاب واحد بنقل عدوي مرضه الجنسي إلي ألف وستمائة وتسعة وثلاثين شخصًا آخرين.

لذلك قامت عدة منظمات عالمية لمواجهة هذه الأخطار الماحقة كمنظمة الصحة العالمية، والاتحاد العالمي لمكافحة الأمراض الجنسية، وانتهي خبراء هذه المنظمات من وضع قرارات وتوصيات وتحذيرات، ومع كل هذا ظلت المشكلة في ازدياد وتعقيد مستمر، سواء في أنواع هذه الأمراض، أو أعداد المصابين بها، بحيث أصبحت أضعافا مضاعفة!

والسبب الحقيقي للانتشار المريع لهذه الأمراض: التحلل الخُلُقِي والإباحية المطلقة في العلاقات الجنسية، إنه انتشار الزنا واللواط وسائر العلاقات الجنسية الشاذة والمحرمة.

وقد حذر الإسلام من الفجور الأخلاقي، والانحراف في السلوك الجنسي، وبين أن انتشار الفاحشة والاستعلان بها هو سبب انتشار الأوبئة الكاسحة وتفشي الموت والهلاك بين بني البشر:

قال رسول الله محمد : { لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا }[رواه ابن ماجه]، وقال أيضا: { ولا فشي الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت }[رواه الإمام مالك في الموطأ].

وفي عصرنا هذا قد فشت في مجتمعات أوبئة وأمراض موجعة مستحدثة لم تكن في أسلافهم أودت بهم إلى الهلاك والموت، والسبب _ كما يقوله خبراؤهم _: انتشار الفاحشة ( من الزنا واللواط والشذوذ الجنسي )، وارتضوها سلوكا لهم، بل وتفاخروا بها، وأعلنوا عنها، وروجوا لها، وأقاموا لها منتديات ونقابات، وتظاهروا من أجل الحفاظ عليها، بل وأنشأوا لها الصحف والمجلات ومنابر الإعلام، وأقاموا لها النوادي والشواطئ والقُرى، وأصبح الجنس ووسائل منع الحمل تدرس للأطفال في المدارس!

وفي إحصائيات نشرتها [ الديلي ميل ]:" أن ما يقرب من 80% من الرهبان والراهبات ورجال الكنيسة يمارسون الزنا، وأن ما يقرب من 40% منهم يمارسون الشذوذ الجنسي أيضا "! بل قد أباحت كثير من الكنائس الغربية الزنا واللواط، واعترفت رسميا بأن المخاللة والمخادنة أمر لا تعترض عليه الكنيسة، حتي قال أحد الكرادلة في بريطانيا إن الكنيسة الإنجليكانية ستعترف عما قريب بالشذوذ الجنسي! ويتم عقد قران الرجل على الرجل على يد القسيس في بعض كنائس الولايات المتحدة!

وفي هذا تحقيق الشرط في قول الرسول : { ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها }، فهل تحقق جواب الشرط ( { إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع .. }، و{ كثر فيهم الموت } )؟

نعم لقد ظهرت فيهم الأمراض الجنسية في صورة وبائية سببت لهم الآلام والأوجاع والموت، فقد شهد العالم موجات كاسحة من انتشار وباء الزهري على فترات منذ أن ظهر لأول مرة عام 1494م وقضي علي مئات الملايين من الأشخاص في القرون الخمسة الماضية، وحطم حياة ملايين آخرين منهم، وهو ما يظهر في الصورة جرثومته التي لا تري بالعين المجردة، وهي جرثومة دقيقة ضعيفة، لكنها قاتلة خطيرة تهاجم جميع أعضاء الجسم فتدمره وتقضي عليه بعد رحلة طويلة من الآلام والأوجاع التي لم يعهدها الناس وقتئذ وما سمعوا بها، كما يظهر في الصورة التالية:

وبرغم اكتشاف المضادات الحيوية، فما زال المرض يزداد وينتشر؛ إذ يصاب به سنويا حوالي خمسين مليون شخص.

ويتصدر مرض " السيلان " قائمة الأمراض المعدية؛ فهو أكثر الأمراض الجنسية شيوعا في العالم، إذ يبلغ الرقم المثبت في الإحصائيات حوالي 250.000000 مصاب سنويا، وهذا في الحقيقة يمثل من عشر إلى ربع الرقم الحقيقي.

وبرغم هجوم ميكروب السيلان الدقيق علي جميع أعضاء الجسم وتسببه في الالتهابات والعلل والآلام للمصاب، إلا أن أخطر آثاره هو قطع نسل الضحية؛ لذلك يسمي هذا المرض بالمعقم الأكبر.

وهكذا كل الأمراض الجنسية ( الهربس، القرحة، الرخوة، الورم البلغمي الحبيبي التناسلي، الورم الحبيبي المغبني، ثآليل التناسل، المليساء المعدية، التهاب الكبد الفيروسي )، إلى غير ذلك من فطريات وطفيليات الجهاز التناسلي التي تصيب ملايين الناس.

وفي هذا العصر _ وبالتحديد عام (1981م) _ فشى فيهم مرض يعتبر طاعونا فتاكا، له عدة أعراض متزامنة مختلفة، لذلك يسمي بـ" متلازمة العوز المناعي " أو " الإيدز "، فأقض مضاجع الفاحشين وحصدهم حصدا. إن هذا الوباء الكاسح كان جزاء وفاقا لظهور الإباحية وانتشار الفاحشة وإعلانها ، فما هو ذلك الوباء الذي اجتاح الهلع منه والرعب دول العالم أجمع وعلي الأخص الدول الغربية إنه طاعون العصر للذين استعلنوا بالفاحشة وغرقوا في أوحال الرذيلة!

الإيدز: مرض يسببه فيروس ضئيل، لا يرى إلا بعد تكبيره مئات الآلاف من المرات بالمجهر الإلكتروني، وهو من مجموعة الفيروسات المنعكسة Retroviruses، التي تعتبر من أصغر الكائنات الدقيقة المعروفة لدينا، ولها قدرة عجيبة في استعمار الخلايا الحية والتكاثر فيها بواسطة التحكم في أسرار الجينات الموجودة في الخلايا.

ويهاجم فيروس الإيدز الخلايا اللمفاوية المساعدة T4، التي تمثل العمود الفقري والعقل المدبر لجهاز المناعة عند الإنسان، فيتكاثر فيها ويدمرها _كما في الصورة_، ومن ثم يدمر الشخص ويهلكه!

وصورته: أن فيروس الإيدز يهجم على الخلايا المساعدة، فيشل حركتها، ويتكاثر فيها بعد فك رموز أسرار جيناتها، ثم يدمرها، فتخرج منها أعداد هائلة من الفيروسات تهاجم خلايا جديدة، كما تقوم أعداد هائلة من الخلايا المساعدة السليمة بالانتحار حينما يأتيها الخبر بأن هذا الفيروس دخل إلى واحدة منهن، ويتوالي تثبيط آليات الدفاع في جهاز المناعة حتي تنهار وسائل الدفاع تماما. وعندئذ تشن الكائنات الدقيقة من الميكروبات المختلفة _ المتطفلة على الإنسان، والغازية له من الخارج _ هجوما كاسحا على الجسم، فتقضي عليه بعد أن يصاب بالتهابات رئوية طفيلية وفطرية حادة، مع إسهال شديد شبيه بالكوليرا، وبعدما يفقد وزنه ويتحول إلى هيكل عظمي، مع تضخم كبير في الطحال والغدد اللمفاوية، وبعد إصابته بأورام سرطانية وأمراض جلدية عديدة.

ويؤثر هذا الفيروس على كل مكان في الجسد، حتى الجهاز العصبي والمخ، فيصاب المريض بالتشتت العقلي والإحباط والكآبة، ثم الاختلال العقلي والجنون في المراحل المتأخرة، بالإضافة إلي التهابات الدماغ والنخاع الشوكي والسحائي، والذي يؤدي إلي الشلل، وأحيانا إلى العمي، ثم ينتهي المريض إلي الموت والهلاك.

وهذا المرض كما هو معروف ينتشر بصورة أكبر بين الشواذ اللوطيين والزناة المحترفين والمتعاطين للخمور والمخدرات، وكل من انغمس في الرذيلة.

هذا وقد وقف الأطباء والباحثون عاجزين أمام هذا المرض المدمر لا يجدون له دواء أو علاجا؛ لأنه يغير من خواصه باستمرار، وقد صنف الفيروس الموجود حاليا وفق ثماني أو تسع مجموعات كبيرة نتيجة للتحول الوراثي، وهو في ازدياد وانتشار كل يوم، وهذا يؤكد أن المزيد من هذه الأوبئة الكاسحة والأوجاع المميتة ما زالت تنتظر الشاردين عن الفطرة وتعاليم الإسلام.

وقد وصلت حالات الإصابة بالإيدز في العالم اليوم إلى أكثر من 60.000000، وقد قدرت منظمة الصحة العالمية عدد الذين ماتوا بسببه منذ ظهوره حتى نهاية عام (2001م) أكثر من 20.000000.

إن هذا المرض لم يسمع به أحد من قبل، فلم يسبق أن اكتشف فيروس هذا المرض، ولا عرفت أعراضه قبل عام (1981م)، حيث اكتشف المرض ثم الفيروس المسبب له عام (1984م).

فَلْيَعْتَبِر بذلك وأمثاله من انتكست فطرهم من الخلق فطلبوا استبدال العفة والطهارة بالفواحش من الزنا واللواط وإتيان البهائم ونحوها؛ فقد بينت الأحاديث المتقدمة: أن هذا الأمر سنة جارية، ونظام لا يتخلف في أي قوم قط، من أي دين أو جنس أو بلد: طالما ظهرت فيهم الفاحشة واستعلنوا بها واستمرءوها، ظهرت فيهم الأوبئة والأوجاع الجديدة التي لم تبتلي بها الأجيال قبلهم.

والذي يؤكد هذه الحقيقة: طبيعة الأمراض التي تنتقل عن طريق الزنا واللواط؛ فهي أمراض تسببها جراثيم ذات طبيعة خاصة، لا تصيب إلا الإنسان، ولا تنتقل إليه إلا عن طريق الجنس.

والإسلام _ وهو الدين المرتضى للبشرية جميعا _ قد وضع نهجا واضحا لحماية الإنسان وصحته من أخطار الأمراض الجنسية المدمرة، ويتمثل في كلمتين: العفة، والإحصان.

فالعفة: طهارة القلب من وساوس الشهوات، وذلك بتعميق الإيمان وتقوى الله تعالى، والبعد عن القربات ( بغض البصر عن المحرمات، وعدم الاختلاط بالنساء، والبعد عن أماكن اللهو والعبث، وعدم تبرج النساء أو خضوعهن بالقول )، قال تعالي: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم؛ ذلك أزكي لهم إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن .. } الآية.

والإحصان: الزواج؛ قال النبي : { يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء}، وقال: { إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير }.

فعلاج مشكلة الأمراض الجنسية وأوبئتها الفتاكة بالبشر لن يتغلب عليها الإنسان إلا بالتزام تعاليم الإسلام، الذي حرم الزنا والبغاء وأشباه ذلك وقرباته، وأمر بتطبيق حدود الله على العاصين.

{ فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلي النور }.