مَحَطّاتٌ شَرْعِيَّة
في شأن العلاقة الزوجية

خادم الحق د. طارق بن محمد السَّعْدِيّ / الحَسَنيّ

 

 

دار الجنيد

الطبعة الأولى
1434 هـ / 2013 مـ
جميع الحقوق التجارية محفوظة لدار الجنيد

 

﴿ المُقَـدِّمَـة

أَبْدَأ بِحَمْدِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الذِي يُسْتَفْتَحُ بِاسْمِهِ أَفْضَلُ كَلَام، ويُسْتَنْجَحُ بِصُنْعِهِ أَحْسَنُ مَرَام، حَمْداً يَتَعَدَّدُ تَعَدُّدَ الأَعْرَاضِ وَالأَجْرَام، ويَتَرَدَّدُ تَرَدُّدَ خَفَقانِ القُلُوْبِ وَحُرُوْفِ الكَلام.

ثمَّ أُنَاجِي بِالصَّلاةِ وَالسَّلام، عَلَى المَشْهُوْدِ لَهُ بِالأَخْلاقِ العِظَام، وَالرَّحمَةِ المحْفُوْظَةِ بِالْكَمَالِ وَالتَّمَام، رَفيْعِ المَنْصِبِ وَالمَقَام، وَشَفِيْعِ البَرِيَّةِ عَلَى الدَّوَام، رَسُوْلِ اللهِ مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الأَنَام! وَعَلَى آَلِهِ المُطَهَّرِينَ الأَعْلام، زِيْنَةِ العَالَمِ وَمَصَابِيْحِ الظَّلَام، الَّذِيْنَ وَجَبَت مَوَدَّتُهُم فِي الإِسْلَام، وَرُتِّبَ عَلَيْهَا عَظِيْمُ الأَجْرِ وَالإِكْرَام.

وبعد: فإني لما كان موعد زفاف ولدي طه ( بعد خمسة أيام من الآن )(1)، رأيت أن أكتب كتابا أجعله هديَّة له وللمحتفيين به من الأهل والإخوان، ويكون كذلك هو للأمة العزيزة نعمة من الرحمن! وهو كتاب أبيِّن فيه بعض

 


(1)- نبهنا شيخنا شمس الزمان الإمام طارق بن محمد السعدي حفظه الله تعالى في مطالعة للكتاب: أن سبب ذكر هذه الجملة: التبرير لما يحتمله الموضوع من المحطات والمسائل التي لم تذكر بسبب ضيق الوقت. (دار الجنيد)

      ملاحظة: هذا التعليق وغيره على الكتاب لطبعة الويب، وليس موجودا في الكتاب المطبوع. (دار الجنيد)

3

 

ما في الزواج الإسلامي من فضل على الإنسان، وما يقوم عليه الزواج الناجح من مبادئ الإحسان.

وقد أسميته: " محطات شرعية في شأن العلاقة الزوجية ".

فأقول مستعينا بالله تعالى استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به:

4

 

﴿ تَمْهِيْـــــــد

 

إن الناظر في الكَون يُدرك أنه مُسَخَّر للكائن البَشَـري ( الإنسان )؛ مِصداق قول الله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[الجاثية:13]، ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً؛ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾[لقمان:20].

فيدرِك أن على عاتق الإنسان مسؤولية كبيرة تجاه الكون، ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾[الأحزاب:72]، بل الظاهر في كتاب الله تعالى: أن تخلي الإنسان عن مسؤولياته يؤثر في الكون سلبا، كما نجد في الآية الكريمة: ﴿ أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ .

5

 

وَكِيلاً ﴾[الإسراء:68] وذلك لكونهم فرَّطوا في مسؤولياتهم! وكذلك في قول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ .. وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ .. »[البخاري].

ولأن الإنسان خُلق مُدرِكًا مخيَّرا وعَجُوْلا، تلطف الله عز وجل به: فأرسل الرسل، وأنزل الشـرائع المختومة بدين الإسلام الحنيف، لهدايته إلى الصفة الصحيحة لمسؤولياته والتي بدورها تحفظ مصالحه ومصالح الكون به وله.

فيهدف الإسلام: إلى إصلاح الناس في عِمَارة الأرض لاستواءِ الكَوْن وتحقيقِ سعادتهم القصوى في الدنيا ويوم العَرْض.

وأصل ذلك: استواؤهم في العِرْض ( وهو: النَّسَب والنَّسْل )؛ لأنه سبب وجودهم وتكاثرهم، فبيَّن أحكامه في مسمَّى " الزَّواج " أو " النِّكاح ".

6

 

﴿ نظام الزواج الإسلامي

 

ومن ثم، كان الزواج الإسلامي نظاما إلهيا، وهو وحده مناط التمييز بين اليقين والظن، وبين الصحيح والباطل في أحكام العلاقات الزوجية؛ ﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ؟! قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ، أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾[يونس:35]، ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾[فاطر:4].

فكان العَقد الزَّوجي الإسلامي دينيا لا بمعنى القَدَاسَة المُوجِبة لقيام وسيط مخصوص (كرجال الدين) لتنفيذه وإمضائه؛ فالزواج في الإسلام: عمل مَدَني، يتم بين المعنِيِّين أنفسِهم بناءً على الأحكام الدِّينة الضامنة للحقوق والحدود! خلافا للمدنية الوضعية التي تحتكم إلى الأهواء والظنون البشرية؛ ﴿ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾[النجم:28].

 

7

 

فيترتب عليه باعتباره عَقدًا دِينيا:

ضمان صحة الزواج في نفسه كنظام بين طرفين.

ضمان حقوق ومصالح الطرفين (أي: الزوجين) وما تعلق بهما أصلا وفرعا ورزقا.

 

8

 

﴿ فطرة الزواج

 

وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً .. ﴾[النساء:1]، مبينًا وجوها من المعاني:

الوجه الأول: أن نَشْأةَ جِنْسِ البَشَر مِن نَفْس آدَميَّة واحدة، وفي ذلك إشارة إلى المكارم التي ينبغي أن تكون بينهم؛ حيث أن الشخص لا يسـيء إلى نفسه لعارض سلبيّ أصابه! ومن ثم، لا ينبغي أن يغتر بالاختلافات النَّوعِيَّة الواقعة بين الآدميين ويعتدي على غيره لعارض فيكون كمن يتعدى على بعض نفسه؛ فهو إن شعر بالجوع مثلا لا يأكل نفسه، وكذا إن انزلق فتأذّى لا يقطع رجله لانزلاقها أو يقتل نفسه .. الخ، فكيف يفعل ذلك في شقيق نفسه الآدمي؟! وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً

 

9

 

عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ، وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾[النساء:29].

الوجه الثاني: أن التنوع الواقع بينهم يعود إلى تَكَوُّنِ النوع النّسَوي مِن النفس الذَّكَرِيَّة الأولى، لِيكون زَوْجًا له، وفي ذلك: إشارة إلى حاجة كل منهما في التكامل للآخر، فيتمكَّنَا معا من تحمل المسؤولية الكونية المطلوبة من البشـر، فَخُلِقت المرأةُ، ثم إن الله تعالى ﴿ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾.

الوجه الثالث: أن التنوع البَشَـري الحاصل مرتبط بفطرة الزواج بين النَّوعين ( الذكر والأنثى )، فوُجدت الشهوة والرغبة بينهما، وهو قول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَـاتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوجًا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ في ذَلِكَ لآيَـاتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[الروم:21].

فإن قيل: إن كانت الفطرة الجنسية بين الزوجين فكيف تقع الشهوة على خلاف ذلك؟

10

 

قلت: لأن الفِطْرَة بَاعِثٌ غَرَزِيٌّ مُلْهِمٌ لا مُوْجِب يترتب عليه في المقام أهواء الشهوة وسائر شؤون الزواج فيقع الشذوذ في نفوس البعض بمعِيَّة الملعون إبليس؛ كما أخبر الله تبارك وتعالى عنه: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ .. ﴾[النساء:119]، فينحرفون في اشتهاء ما يُسَوَّلُ لهم به، حتى يغلب ذلك على مصالحهم الزوجية، وأهدافهم الكونية! بل قد بلغت الغواية بهم إلى أن قال بعض الغابرين منهم: ﴿ .. أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾[النمل:56]، فصارت الطهارة جريمة عندهم!

ومن ثم قلت: الشَّهْوَةُ: تَفْتُرُ لا تَشْبَع، وتَخضَعُ لا تَقْنَع وَبالنَّفَاذِ تَتَوَسَّع، فَمَنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا بِالاتِّبَاعِ فَحُشَ وَتَصَدَّع.

وإن الشَّهْوة: أعراضٌ نفْسِيَّة، تتعلق بالملذَّات الشَّخْصِيَّة! وإنما قلت " الشخصية " لأن النفوس الشَّاذة

 

11

 

تتجاوز الحدود المَرعِيَّة والملذات الطبيعية؛ فقد يشتهي شخص صفةً لا تُشتَهى أصلا فيتخطى بذلك الأصولَ العامَّة وما عُرِف، أو يشتهي منكرا فَيَنْحَرف.

وفي هذا الباب قلت: الفَتَاةُ كائِنٌ جَمِيْلٌ يَجْذِبُ الرِّجَال، فَتُؤَثِّر فِيْهِم بِقَدْرِ مَا لَدِيْهَا مِنَ الجَمَال، وَيُوَازِنه غَلَبَةُ الشَّهْوَةِ، وَقُصُوْرُ المَحَلِّ عَلَى بَعْضِ الأَحْوَال.

كما قلت: الجَمَالُ نَوْعَان: جَمَالٌ أَصِيْلٌ: بِاعْتِبَارِ فِطْرَةِ الرَّحْمَن، وَجَمَالٌ دَخِيْلٌ: بِاعْتِبَارِ هَوَى الإِنْسَان.

وجَمَالُ المَرأَة: في أوصافها النَّفْسِيَّةِ، وَمَحَاسِنِهَا البَدَنِيَّةِ، وَتَصَرُّفَاتِهَا العَمَلِيَّةِ.

وإنه لمن الخطأ: قصـر النظر إلى النوع الآخر على المتعة الجنسية، لأن أحوال العلاقة بين الرجل والمرأة تَعُمّ الحياةَ الزوجيَّة، فتشتمل على المتعة والمودة وسائر الصفات الإنسانية؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوجًا؛ لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً، إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لّقَوْمٍ

 

12

 

يَتَفَكَّرُونَ ﴾[الروم:21]، ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾[البقرة:187]! وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِنَّمَا حُبِّبَ إِلِيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ »[البيهقي].

ومع ذلك: فإن مَطلَب المتعة الجنسية بلاء، أخطر بواعثه النساء، حتى قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، »[مسلم]؛ وذلك: لخَلْقِها مُؤَهَّلة للإغواء، لا أنها شيطانه؛ كما قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ »[مسلم].

ومن ثم قلت: لا يتهاونن الرَّجُلُ بمُقارَبَة النساء (بإطلاق بصر أو مَسِّ أعضاء)؛ ففطرته الانجذاب إليهن باشتهاء، وذلك في الحرام من الفحشاء.

وقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « يَا مَعْشَـرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ

 

13

 

فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَـرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ! وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ »[متفق عليه].

فلا ينبغي أن يلجأ غير المستطيع إلى المنكر من الأساليب والعادات في التعاطي مع الشهوات؛ لأنها تعود عليه بالأذى فضلا عما فيها من مخالفات.

ولقد قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ، ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ؛ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾[النور:30-31].

وقد اتضح بما تقدم: أن استواء العلاقة البشرية متوقف على العِلم والأخلاق المَرعيَّة.

ومن ثم قلت: حَيَاةُ الإِنسَانِ الهَنِيَّةِ: بِقَدْرِ مَا لَدِيْةِ مِنَ العُلُوم السَّوِيَّة، وَالأخْلاقِ المَرْضِيَّة.

فالآية الكريمة: تُبيِّن فِطرة البَشر على الزواج شَرعيًّا ومَدى ارتباط بعضهم ببعض وجوديًّا وإنسانيًّا.

 

14

 

 

﴿ منافع الزواج

 

فالزَّوَاجُ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، يَحْفَظُ نَسْلَ البَرِيَّة، ويَجْمَعُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى المُتْعَةِ الشَّـرْعِيَّة، ويُؤَلِّفُ بَيْنَهُمَا لِعَيْشِ حَيَاةٍ هَنِيَّةٍ وَتَكْوِيْنِ أُسْرَةٍ مَرْعيَّة؛ وقد جاء فِي الآيَاتِ القُدْسِيَّة: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً .. ﴾[الرعد:38].

ويمكن جَمْع فوائد الزواج الإسلامي في سبع ثمرات مُتَدَاخلة: العِمَارَة، وَالأُسْرَة، وَالخِلافَة، والمُتْعَة، وَالمَصْلَحَة، والرَّحْمَة، وَالحَسَنَة.

فالعِمَارَة: في قول الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً .. ﴾[البقرة:30]، وقوله عز وجل: ﴿ .. هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا .. ﴾[هود:61]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[الحجرات:13].

 

15

 

وَالأُسْرَة: في قول الله تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾[الكهف:46]، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ »[أبو داود].

وَالخِلفَة: في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ .. ﴾[آل عمران:34]؛ ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ، فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا ﴾[النساء:9].

والمُتْعَة، والرَّحْمَة: في قول الله تعالى: ﴿ .. وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾[الأعراف:189]، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً .. ﴾[الروم:21].

وَالمَصْلَحَة، وَالحَسَنَة: في قول الله تعالى: ﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْـرٍ يُسْرًا ﴾[الطلاق:7]؛ فالوالدان وإن كانا مُكلَّفَين تُجَاه

 

16

 

الأسرة ( الرجل بالإنفاق وما في معناه من الرعاية والإحسان )، فإنهما يحققان المصلحة وينالان الأجر والثواب؛ وقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً »[متفق عليه]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: « دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا: الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ »[مسلم]، كما قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ .. ﴾[الفرقان:74]، ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾[لقمان:14]، فهذا من جهة السعي في البر والطاعة والخدمة في الحياة! ثم: إن مات الوالدان قبل الأولاد انتفعا ببرهما التعبُّدي؛ كما قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ » وذَكر

17

 

منها: « وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ »[مسلم]، وسألته امْرَأَةٌ عن أَبِيهَا: مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ؟ فقَالَ لها صلى الله عليه وآله وسلم: « حُجِّي عَنْ أَبِيكِ »[النسائي]! وإن مات الولد قبل والديه: فقاما على الصبر والاحتساب، نالا من الله تعالى عظيم الأجر والثواب؛ كما في قول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ قَالَ اللهُ لِلْمَلائِكَةِ: { قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي }؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ { قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ }؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: { فَمَا قَالَ }؟ قَالُوا: اسْتَرْجَعَ وَحَمِدَكَ، قَالَ عز وجل: { ابنُوا لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ } »[ابن حبان]، وجَاءَتِ امرَأَةٌ إلى سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم بِابْنٍ لَهَا، فقالت يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَشْتَكِي، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ فلقَدْ دَفَنْتُ ثَلَاثَةً، قَالَ: « لَقَدِ احْتَظَرْتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّارِ »[مسلم]، أي: تمنعت من النار بمانع وثيق.

ولا شك أن ذلك متوقف كَسبًا على صلاح الوالدين وتربيتهما الصالحة.

18

 

وقد قال الله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾[الملك:1-2]، وقال عز وجل: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾[المؤمنون:115]، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ »[الترمذي].

ففي الاستقامة والإحسان: الخير والسعادة في الدنيا وفي الجِنان! والمُفلح: من استغنى بالأجور، وأفلس من الفُجور.

19

 

﴿ تشريع الزواج

 

وقد أمر الله تعالى بالزواج، فقال: ﴿ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .. ﴾[النساء:3]، أي: بطيب المشروعية (فخرج المحارم)، والأحوال النفسية، ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيَـامَى مِنْكُمْ وَالصَّـالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ، إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [النور:32-33]، فإذا توفّرت أسبابُه ينبغي السعي فيه.
ومن ثم، قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « من استطاع منكم الباءة فليتزوّج »، وهو ما يظهر في إنكاره على من رغِب عن الزواج بقوله: « لكني أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني »[متفق عليه]، وفي الأثر:" أَرْبَعَةٌ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّنَتِ الْمَلائِكَةُ: الَّذِي يَحْصُـرُ نَفْسَهُ عَنِ الزَّوَاجِ فَلا يَتَزَوَّجُ وَلا يَتَسَـرَّى لِئَلَّا يُولَدَ لَهُ وَالرَّجُلُ يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، وَالْمَرْأَةُ

 

20

 

تَتَشَبَّهُ بِالرِّجَالِ، وَمُضِلُّ الْمَسَاكِينِ "؛ وقد قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً ﴾[الرعد:38].

وقد قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ .. ﴾[الأنفال:24]، فينبغي على الناس الحرص على الزواج المستقيم، والعلم أن حياتهم في اتباع الدين الإسلامي القَويم.

قال الإمام النووي رضي الله تعالى عنه:" الناس ضربان: تائق إلى النكاح، وغيره.

فالتائق: إن وجد أهبة النكاح، استحب له، سواء كان مقبلا على العبادة، أم لا.

وإن لم يجدها، فالأولى أن لا يتزوج ويكسـر شهوته بالصوم، فإن لم تنكسـر به لم يكسـرها بالكافور ونحوه، بل يتزوج.

وأما غير التائق: فإن لم يجد أهبة، أو كان به مرض أو عجز بجبٍّ أو تعنين أو كبر، كره له النكاح؛ لما فيه من

21

 

وقد التزام ما لا يقدر على القيام به من غير حاجة.

وإن وجد الأهبة ولم يكن به علة: لم يكره له النكاح، لكن التخلي للعبادة أفضل.

فإن لم يكن مشتغلا بالعبادة، فوجهان .. أصحهما النكاح أفضل؛ كيلا تفضـي به البطالة والفراغ إلى الفواحش. والثاني: تركه أفضل؛ لما فيه من الخطر بالقيام بواجبه.

وحكي وجه: أن النكاح أفضل من التخلي للعبادة.

وفي شرح مختصـر الجويني وجه: أنه إن خاف الزنا وجب عليه النكاح.

وقال القاضي أبو سعد الهروي: ذهب بعض أصحابنا بالعراق إلى أن النكاح فرض كفاية، حتى لو امتنع منه أهل قطر، أُجبِروا عليه.

قلت: الوجه المحكي عن شرح الجويني، لا يحتم النكاح بل يخير بينه وبين التسـري، ومعناه ظاهر. والله تعالى أعلم "اهـ[الروضة:18-19].

22

 

قلت: والمطلوب في الزوجين:

الزوج ذو الدّين والخُلُق الأمين، فإذا تقدَّم للفتاة من يُرْتَضى دينُه وخُلُقُه ينبغي تيسير أمر زواجه؛ قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ »، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ: « إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ » " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "[الترمذي].

الزوجة ذات الدّين والخُلُق الأمين؛ قال ربُّنا الله تعالى: ﴿ فَالصَّـالِحَـاتُ: قَـانِتَـاتٌ، حَـافِظَـاتٌ لّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾[النساء:34]، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ »[متفق عليه].

اتقاء الطمع بالدنيا؛ فإن مِن المنكرات الدينية والأخلاقية: إعاقة الزواج بسبب الرغبة بالأمورُ المادّية .

 

23

 

فقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لتبتغوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾[النور:33]، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم « إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ: تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا .. » [أحمد]، « إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَـرُهُ مُئُونَةً »[شعب الإيمان]، فتقرر: أن المرأة إذا كان مهرُها قليلاً كان خير نكاحها كثيراً! وذلك قول الله تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيَـامَى مِنْكُمْ وَالصَّـالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ، إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾[النور:32]، وذلك للمتقين؛ كما قال رب العالمين: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾[الطلاق:2-3] وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ » [الترمذي]! فالعِفّة عن محارم الله تعالى: تسهّل أمر الزواجِ والعَون عليه.

24

تنبيه: ولا بد من التنبيه على أن الزواج في الإسلام يقوم على الديمومة، فإنه لا يُقصد بـ" تشـريع الطلاق " إلا الحيلولة دون استمرار الارتباط الزوجي بين زوجين كارهين تحول كراهتهما دون تحقيق الأهداف المرعية للزواج.

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾[النساء:19].

ومن ثم قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ »[أبو داود].

25

 

﴿ استقامة الزواج

 

وإن استقامة العلاقة الزوجية: ضرورة دينية أخلاقية؛ لأنَّها سببُ تحقيقِ فوائد الزواج المرعية، وحفظِ صحة الأسرة والمجتمعات الإنسانية! بينما بضدها: تَشْقى الحياة الزَّوجية، وتُشَتَّت الذُّرِّية، وتَفْسُدُ المجتمعات البشرية، فضلا عما يحدث من مشاكل نفْسِيَّة.

وفي الخبر الصحيح: « كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا، أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ »[المستدرك].

ولاستقامة الزواج مبان، منها:

البناء على النِّيَّة الصالحة: فيَعقد الزوجان قلبيهما على طلب الزواج للتنعم بما يحققه من المتعة الشخصية والعِفَّة الشرعية، والمصالح البَشَرية الأُسَرِيَّة والأُممِيَّة؛ وذلك ليس فقط لجعل شؤون الزواج عبادةً يؤجران عليها، بل لما فيه من الفوائد المَرعية، والعون على تجاوز العوارض السلبية في العلاقة الزوجية.

26

 

البناء على تحقيق الصفات الزوجية: فيعزم الزوجان على تحقيق السَّكينة والمودة والرحمة والعِشْـرة الحَسنة بينهما، وعلى إنشاء الأسرة الصالحة!

ويترتب على ذلك: اتخاذ الأسباب الصالحة واعتماد الوسائل الكريمة: ( كالقيام بالمسؤوليات دون مِنَّة على الزوج أو الأبناء، واللجوء إلى الأسلوب الحسن في الطلب والخطاب والإصغاء، والثناء شكرا وتقديرًا على الإنجاز وإن لم يكن مشترَكا _ بأن كان لا يعني المُثْنِي، أو لا يُقَدِّره شخصيًّا _ كما على الإحسان، وإظهار مشاعر الحُب والشَّوق والحنان، والتَّجمُّل بالنظافة والزينة والحركات، والسَّخَاء بالمال والأوقات، واستغلال الغيرة لتحديث المحبة والمحاسن والإصلاحات، والمؤازرة بالأفراح والأحزان والتعاهد بالهدايا والترفيه، والاهتمام بشؤون الآخر ومُقَدَّراته وهواياته وإن لم تكن مُشترَكة، ومراعاة الظروف والأحوال الداعية للإساءة بنحو تجاوزٍ أو فتور أو إهمال، والتغاضي عن الأخطاء العادية وفق الحكمة المَرعيَّة .. الخ ).

27

 

البناء على ديمومة الزواج: فيرتبط الزوجان ببعضهما على أساس دوام هذا الارتباط؛ لأنه أصل تحقيق مقاصد الزواج، ومن ثم سمي الرابط بينهما بالـ" عقد " لأنه يعقد كل منهما بالآخر ليتداخلا ويصبحا نَفْسًا واحدة!

ويترتب على ذلك: ضرورةُ عَدَمِ خوض العلاقة الزوجية على خلفية التأقيت أو التعليق بشبهة الاختبار والتدقيق؛ لاسيما أن الآخر ليس مُسَيَّرًا، بل يَقبَل التطوير والتفاهم والتأثير! والإعْراضِ عن فكرة الفراق والشِّقاق.

وقد قلت: التَّحَدُّثُ بِالمُنْكَرَاتِ مَزَلَّةٌ لِلْوُقُوْعِ فِيْهَا.

 

البناء على الانصهار: فيدرك الزوجان أنهما ينصهران كأسرتين بعضهم ببعض!

ويترتب على ذلك: أن لا يسمح أيٌّ منهما لنفسه الخصومة مع أسرة الآخر؛ لأنه قد بات جزءا فعليا منها وكما أن أحدهما قد يواجه انتقادا أو اعتراضا أو أذى من أسرته ولا يرتب عليه المواقف العدوانية، فكذلك ينبغي أن يكون تجاه الأسرة التي انصهر فيها.

28

 

البناء على القوامة: فتُبْنى العلاقة بين الزوجين على قوامة الرَّجُل؛ طاعةً لله تعالى القائل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ خَلْقًا؛ كما قال سبحانه في آية أخرى: { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ }[البقرة:228]، فليست المرأة ندًّا للرَّجُل، ولا يكون لها قوام عليه لأسباب عارضة؛ وقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِنِّي لَوْ أَمَرْتُ شَيْئًا أَنْ يَسْجُدَ لِشَيْءٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ »[ابن حبان]، وفي رواية: « وَلَوْ أَمَرَهَا أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَبْيَضَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ، وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَبْيَضَ لَكَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَفْعَلَهُ »، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: « مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ: أَنْ لَوْ سَالَتْ مَنْخِرَاهُ دَمًا وَقَيْحًا وَصَدِيدًا فَلَحَسَتْهُ بِلِسَانِهَا مَا أَدَّتْ حَقَّهُ، لَوْ كَانَ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَـرٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا

29

 

إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا؛ لِمَا فَضَّلَهُ اللهُ عَلَيْهَا »[المُستَدرك]، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِح »[متفق عليه]، وقد سُئِل صلى الله عليه وآله وسلم: مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى امْرَأَتِهِ؟ فَقَالَ: « لا تَمْنَعُهُ نَفْسَهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ، وَلا تُعْطِي مِنْ بَيْتِهِ شَيْئًا إِلا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ الأَجْرُ وَعَلَيْهَا الْوِزْرُ، وَلا تَصُومُ يَوْمًا تَطَوُّعًا إِلا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ أَثِمَتْ وَلَمْ تُؤْجَرْ وَلا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ (مَلائِكَةُ الْغَضَبِ وَمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ) حَتَّى تَتُوبَ أَوْ تُرَاجِعَ » فقِيلَ له: فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا؟ فقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: « وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا »[السنن الكبرى]، ﴿ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ كَسْبًا، فإن لم يكونوا مُنفقين وتكفلت الزوجة بذلك: قُيّدت قوامتهم عليها بدون ما يتعلق بحقوق مصالحها الكسبية الشرعية ﴿ فَالصَّالِحَاتُ ﴾ اللاتي يُسْلِمن لهذا الحكم: ﴿ قَانِتَاتٌ ﴾ في طاعة الزوج ﴿ حَافِظَاتٌ

30

 

لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ ﴾ فلا يتجاوزن الحدود بنشوز أو خيانة، لاسيما إن كنَّ من ربَّات العمل.

وقوله تعالى: ﴿ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ تأكيد على سلطة الرجل على المرأة، غير أنه لا يعني حق الرجل بالعدوان أو تجاوز الحدود الشـرعية في تقويمها(2)، ولا أن يعاملها كمملوكة أو خادمة؛ وعَنْ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُما، قَالَتْ: كَانَ الرِّجَالُ نُهُوا عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ، ثُمَّ شَكَوْهُنَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ضَرْبِهِنَّ، ثُمَّ قَالَ: « لَقَدْ أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ قَدْ ضُرِبَتْ »، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ بَعْدُ: « وَلَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ »[المستدرك]! وقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِي جَارَهُ » فزوجته التي تخالطه أولى أن لا يؤذيها، ومن ثم أتبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقوله: « وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ

 


(2)- قال شيخنا شمس الزمان الإمام طارق بن محمد السعدي حفظه الله تعالى في مراجعة لنا حول هذه العبارة:" إن الضرب المبرح للمرأة بذريعة التقويم عدوان، واستغلال القوامة لضربها في غير تقويم تعدٍّ لحدود الرحمن ". ط (دار الجنيد)

      ملاحظة: هذا التعليق وغيره على الكتاب: لطبعة الويب، وليس موجودا في الكتاب المطبوع. (دار الجنيد)

31

 

خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا »[متفق عليه]، وقد قال الإمام القرطبي في تفسير الآية:" أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً، ثم بالهجران، فإن لم ينجعا فالضرب .. والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح "اهـ ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً؛ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾[النساء:34].

 

البناء على الثقة وحسن الظن: فقد يفعل أحد الزوجين ما يحتمل العديد من التأويلات السلبية ( كمعنى الإهانة أو الانتقاص أو الخيانة .. الخ )، بينما لا يكون ناتجا إلا عن أحوال أو ظروف يمر بها الفاعل، ولا تعدو حدود التنفيس أو الاشتباه المحتمل للتلبيس؛ وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ﴾[الحجرات:12].

32

 

البناء على المعاشرة بالمعروف: فينبغي على الزوجين مراعاة الاختلاف الخَلقي والثقافي بينهما في خلافاتهما لاجتناب المؤاخذات التي لا جدوى منها! كما ينبغي اجتناب منكرات المعاملة الخاصة أو العامة بينهما، فلا يُكرِه أحدُهما الآخرَ على مُنكَر ولو خاصٍّ، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر؛ قال الله تعالى: ﴿ .. وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾، ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾[البقرة:228]، وقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « خَيْرُكُمْ: خَيْرَكُمْ لأَهْلِهِ »[رواه الترمذي]، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: « أَلا أُخْبِرُكُمْ بِنِسَائِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ »؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: « كُلُّ وَلُودٌ وَدُودٌ، إِذَا غَضِبَتْ أَوْ أُسِيءَ إِلَيْهَا، أَوْ غَضِبَ زَوْجُهَا، قَالَتْ: هَذِهِ يَدِي فِي يَدِكَ لا أَكْتَحِلُ بِغُمْضٍ حَتَّى تَرْضَى »[المعجم]، وفي خبر آخر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لنِساء: « السَّلامُ عَلَيْكُنَّ يَا كَوَافِرَ

33

 

الْمُنْعِمِينَ »، فَقُلْنَ: نَعُوذُ بِاللهِ أَنْ نَكْفُرَ نِعْمَةَ اللهِ! قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: « تَقُولُ إِحْدَاكُنَّ إِذَا غَضِبَتْ عَلَى زَوْجِهَا: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ »[المطالب العالية] وفي رواية للخبر: « أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ »، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم: « يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ »[متفق عليه].

 

البناء على العِفَّة: فينبغي التنزه عن المنكرات ( بحفظ الباطن والظاهر عن السيِّئات )؛ قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا، الْعَيْنُ تَزْنِي وَزِنَاهَا النَّظَرُ، وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ التَّقْبِيلُ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ، وَالرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْمَشْـيُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ »[الأمالي]، وفي رواية زيادة: « وَالْقَلْبُ يَزْنِي، وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي »[أحمد] لذلك قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ

34

 

وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ، ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ؛ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾[النور:30-31].

وإن إطلاق الجوارح والجنان في المُحَرَّم مع كونه سببا للإثم وعذاب جهنم، إلا أنه يعود بالسوء على المرء في نفسه وعلاقته الزوجية؛ فإنه يجلب إلى النفوس صورا غالبا ما تفوق الواقع بما يرافقها من تزيين الشيطان، ثم بما يحيكه منها خيال الإنسان، فتُحدث انقباضا وفتورا وضعفا في العلاقة الزوجية لاسيما الجنسية وفي نتائجها.

ومن ثم قلت: إطْلاقُ الجَوارِح في المُنْكَرَات يُطْلِقُ النَّفْسَ وَيُحْدِثُ العَوْرَات.

 

البناء على حفظ السـر: فينبغي كتم الخصوصيات والعيوب والنقائص والمشاكل الواقعة بين الزوجين لاسيما عن الأقارب؛ فإن إظهارها لا يأتي إلا بِشَرّ! والصواب في المشاكل: أن يتصالحا سويا بعد هدوء النفوس؛ إذ ينبغي أن يكون بناء الديمومة قاض بضرورة حل المشاكل.

35

 

ومن لطائف هذا الأمر: ما ورد في قصة الصحابي الجليل عثمان بن مَظْعُون رَضِيَ الله تعالى عَنْهُ: فإنه لما بلغ سيدنا رسول الله محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم خبرُ تبتله، أتى منزله فلم يجده، فَقَالَ لزوجته: « أحق ما بلغني عن عُثْمَان وأصحابه »؟ قَالَتْ: وما هُوَ يا رَسُول اللهِ؟ فأخبرها النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذِي بلغه فكرهت أن تكذب النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْ تفشـي سرَّ زوجها، فقالت: يا رَسُول اللهِ، إن كان عُثْمَان أخبرك بشيء فقد صدقك، أَوْ أخبرك الله عز وجل بشيء فهو كَمَا أخبرك ربك تَعَالَى ذِكرُه، فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم: « قولي لزوجك إذا جاء: إنَّه لَيْسَ مني من لَمْ يستن بسنتي، ويهتد بهدينا، ويأكل من ذبائحنا؛ فَإِن من سنتنا اللباس، والطعام، والنساء! فأعلمي زوجك وقولي لَهُ: من رغب عن سنتي فَلَيْس مني »[تفسير مقاتل].

36

 

﴿ خَاتِمَــــــة

 

فالزواج يُقْصَد للعِفَّةِ والتَّمتع، وبناء الأسرة والمجتمع ولا يتحقق شيءٌ من أهداف ذلك إلا للمتبع.

فـ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾[البقرة:168]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾[البقرة:208]؛ ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾[آل عمران:162]، ومن ثم: ﴿ .. فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[النور:63].

﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ: فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾[النور:52].

 

﴿ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا

37

مَعَ الأبْرَارِ ﴾[آل عمران:193]، ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾[آل عمران:53].

 

والحمد لله رب العالمين

تم الكتاب بفضل الله رب الأرباب

وكـان الفـراغ منــه: في عشـــية يوم الاثنـين(3)

23 ذو الحجة 1434 الموافق 28 تشرين الأول 2013

﴿ وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾

-------------------

هنيئا لولدي طه وعروسه بالزيجة الهنية

وهذا كتاب " المحطات " قد وَهَبْتُ مَنَافعَه له هَدِيَّة

بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير اللهُ ربُّ البَرِيَّة

 

خادم الحق

طارق بن محمد السعدي

 

 

 


(3)- أي: بعد يوم واحد من الشروع في تأليفه. (دار الجنيد)

      ملاحظة: هذا التعليق وغيره على الكتاب: لطبعة الويب، وليس موجودا في الكتاب المطبوع. (دار الجنيد)

38

 

المحتويات

الموضوع

الصفحة

 

 

المقدمة

3

التمهيد

5

مسؤولية الإنسان تجاه نفسه والأكوان ودور الزواج فيها

5

هدف الإسلام ونعمة الله بالدِّين على الأنام

6

نظام الزواج الإسلامي

7

دينية الزواج الإسلامي وفضائله وثمراته

7

فطرة الزواج

9

كلمات نورانية في الفطرة والشهوة والفتاة والجمال

11

نسبة الجنس لأحوال الزواج، وبيان نِعمة النساء الخطيرة!

12

كلمات نورانية في العلاقة البشرية وحياة الإنسان الهنية

14

منافع الزواج

15

كلمات نورانية في فضل الزواج ومنافعه

15

ثمرة العمارة

15

ثمرات الأسرة والخِلفة والمتعة والرحمة والمصلحة الحسنة

16

تشريع الزواج

20

كلمة نورانية في الحث على الزواج الإسلامي

21

 

39

 

المطلوب في الزوجين: الدين، وعدم الطمع بالدنيا

22

فضل الزهد بالمهر والزواج للعفة

23

ديمومة الزواج الإسلامي وتشريع الطلاق!

24

استقامة الزواج

26

أهمية الاستقامة الزوجية

26

مباني الاستقامة: النية الصالحة

26

مبنى تحقيق الصفات الزوجية

27

مبنيي ديمومة الزواج والانصهار

28

مبنى القوامة

29

        تقويم المرأة!

31

مبنى الثقة وحسن الظن

32

مبنى المعاشرة بالمعروف

33

مبنى العِفّة

34

مبنى السر

35

الخاتمة

37

إهداء الكتاب

38

المحتويات

39

 

 

 

40

 

تم الكتاب والحمد لله ربّ العالمين

حمل الكتاب بصيغة PDF