حكم الدين

في اقتتال المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم دار الجنيـد

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على سيدنا الرسول محمد وآله المصطفى، وعلى آله وخلفائه وورثته أهل الصفا.

وبعد: يسُـرّ " دار الجنيد " أن تقدم للمسلمين كتاب " حكم الدين في اقتتال المسلمين "، الذي أعددناه من خلال مجموع مكتوبات نورانية لمولانا خَادِم الحَقِّ الشيخ الإمام د. طارق بن محمد السعدي / الحسني، رضي الله عنه، ونفعنا بعلومه النورانية العلية.

وقد اعتمدنا:

في المتن: شرحا نورانيا من كتاب " فَتح العليم بشـرح   بعض الخطاب الكريم " لآية قتل المؤمن.

بينما اعتمدنا للحاشية: مقتطفات متفرقة مما ورد في كتاب " الحاشية السعدية " ويتعلق بالموضوع.

ملاحظة: وكنا قد طبعنا هذا الكتاب المبارك أول مرة ملحقا كخاتمة لكتاب " الحَاشِيَةُ السَّعْدِيَّة، عَلى أحْكَام الجِهَادِ وَفَضَائِلِهِ السُّلْطَانِيَّةِ "، وأقرَّنَا عليه شيخُنَا رضي الله عنه إقرارا مُقَيَّدا، فقال ما معناه: أن الكتاب يُصَدِّق العنوان بإضافته للحاشية، بينما لا يحقِّق ذلك على التمام منفرداً؛ لتَعَلُّق بعض المسائل المنقولة فيها به.

3

 

وعليه: فقد عمدنا إلى إفراد الكتاب بحلة جديدة، مبنية على التوجيه المذكور، دون إخلال بالطبعة الأولى، بحيث يكون ما تم إضافته هنا: زائداً لا ناسخاً.

كما قمنا بكتابة عناوين الوجوه المذكورة في البحث، ووضعناها بين معقوفتين [ ]؛ تنبيها على زيادتها.

والحمد لله تعالى.

دار الجنيد

4

 

مقدمة نورانية

قَال خَادِمُ الحَقِّ شَمْسُ الزَّمَانِ الشَّيْخُ الإمَامُ طَارِقُ بْنُ محمَّدٍ السَّعْدِيّ الحَسَنِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْه([1]):"

الحمد لله الأحد الصَّمد أرحم الراحمين، المتجلي على الأمة المحمدية بالرحمة الواسعة والتفضيل على العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته وأتباعه الصالحين، في كل لمحة ونفَسٍ بعدد كل معلوم له أبد الآبدين ودهر الداهرين.

وبعد:

فإن صفة أمتنا الألفـة والوِحـدة بالاجتماع؛ مصداق قول سيدنا رسول الله محمـد صلى الله عليه وآله وسلم: « المؤمن للمؤمن كالبنيان: يشدّ بعضُه بعضـاً »، « مثـل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد: إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسَّهر والحمّى ».

فالواجب على المنْتَسِبين للإسْلام مِن جماعاتِ وأفرادِ الأُمَّةِ كافَّةً، لاسيما في زماننا هذا: الاجتماعُ على حُدودٍ تحقِن دماءَهم، وتمنَع
 

5

 

عنهم أعداءَهم، حتى يُقَيِّض اللهُ تعالى لهم جميعاً حاكماً عادلاً يرفَع المتَّبِعِين، ويَقتصّ مِن المبتَدِعين.

وتعود فروعُ اجتماع الأمَّة إلى أصلين:

   الاجتماع على مبادئ نصر الدين ونشره.

وذلك: بالاجتماع على معاداة المحاربين، والأخذ على يد الظالم مِن المعتدين والباغين.

      تجريدُ الخلافات الفِرقَوِيَّة والطائفية والمذهبية والحزبية فيما بينهم عن استباحة حُرُماتهم _ وهي: حُرْمَـة " المسْلِمِ الحَقِّ في نَظَرِ الجمِيْع "، وإن كان أحدهم في نظر الآخر: فاسقاً أو ضالاً أو ظالما أو كافراً يترتب على مذهبه أحكام خاصَّة _ دماً وعِرضاً ومالاً أو التسامح فيها مع الغير.

وذلك: بأن لا تكون تلك الخلافاتُ سبباً لاستباحة الحُرمات بينهم لأنفسهم، أو للظالمين، بل: يجعلونها محل نظر ( يناظر بعضُهم بعضـاً فيما لديه على أصل: {{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي: يُحْبِبْكُمُ اللهُ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ؛ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }}[آل عمران:31] فيُعرف الرجال بالحقّ، ولا يُعرف الحقّ بالرجال )؛ لاستِبانة الحَق، إلى أن يُيَسّـر اللهُ تعالى للأُمَّة خليفةً صالحاً أو حاكماً عادلا _ وأقول للأمة، لا لجماعةٍ أو فرقة أو عُصْبةٍ من المسلمين _، فينصـر أهلَ الحقِّ
 

6

 

المُتَّبِعِين، ويخْذلَ أهْلَ الضلالةِ المُبْتَدِعِين، ويقيم حدود الدين على المتَعَدِّيْنَ المُسْتَحِقِّين.

وإن كـان ثمة مـا يصح الاجتماع عليه بينهم، ويجب الاشتراك في تحمل مسؤولية تنفيذه، فهو:

أولاً: حسن الظن بعضهم ببعض: أنَّ كل فرقة إنما أرادت بلوغ الحق، فضَّلت سبيلها.

ثانياً: الجدل والمناظرة في قضايا الفرقة والاختلاف.

ثالثاً: عدم استباحة دماء وأموال وأعراض بعضهم البعض؛ لما افترقوا فيه من الأحكام، مهما كان الخلاف أو بلغ الحُكم.

 فلا يقيم أحدهم على مخالفه من أهل القِبلة حداً يراه مستحقا له، بل ينصحه ويعظه.

رابعاً: التعامل مع الأمم الأخرى في حق الفرد من الأمَّة على أنه المسلم المعتبر، بغض النظر عن فِرقته ومرتبتها في نظر غيرها.

خامساً: الاجتمـاع على مـا اتفقوا عليه، كالجهاد، وتوليه بحسب الكفاءة ( أي: الكفَاءة الفعليَّة المتعلقة بنفس الأمر ).

وهذا هو " التقريب بين المذاهب "، أما التقريب بين المُثبِت والمُنْكِر، والمُنَزِّه والمُمَثِّل، والمُحِبِّ والمُبْغِضِ .. ونحو هذا: فإنه زندقة وبدعة حادثة لإلهاء الأمة فيما لا تُحْمَدُ عُقْبَاه.

7

 

وعلى ولاة أمور المسلمين ( من رؤساء الدول وزعماء الأحزاب والجماعات الإسلامية _ كبيرةً كانت أم صغيره _ ) العلم: أن حقَّ هذا الاجتماع على عاتقهم؛ فكلهم راع، وكلهم مسؤول عن رعيَّته.

فليسارعوا إلى تدبير هذا الأمر، والله تعالى المُوَفِّق.

والحمد لله رب العالمين "انتهى

8

 

تمهيد

قَالَ خَادِمُ الحَقِّ شَمْسُ الزَّمَانِ الشَّيْخُ الإِمَامُ طَارِقُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيّ الحَسَنِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَنَفَعَنَا بِعُلُوْمِهِ النُّوْرَانِيَّةِ العَلِيَّةِ فِي كِتَابِهِ " فَتْحُ العَلِيْم "([2]):

قال الله تعالى: {{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا: فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا }}[النساء:93].

ظاهرُ هذه الآيةِ الكريمةِ: يَدلّ على جَزاءِ " قاتل المؤمِن " عمْداً في الآخـرة.

والكلام عليها من وجوه:

9

 

[ حد قتل المؤمن ]

الوجه الأول: أن حقيقة القتل: التَّسبّب في إنفاذ رُوْح المؤمن بفعلٍ مُعَدٍّ لذلك غالباً، كضـربه بالسلاح، ووضع السّمِّ له، ونحو ذلك.

 

[ أنواع القتل ]

الوجه الثاني: أن صِفة القتل: هي العَمْد، وهو: قَصد المؤمن بالفعل القاتل.

فخرج " الخطأ " الذي هو: اقتراف الفعل من غير قصد القتل أو قصدِ المؤمن به.

ومن ثم قال الله تعالى: {{ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ، وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ }}[النساء:92] .. الآية، فميَّز الخطأ عن العمد في الحكم.

 

[ أقسام القتل العمد، وبيان الموبق منها ]

الوجه الثالث: أن دافع القتل: هو " الظلم والعدوان "، لا: الحقّ أو التأويل والشبهة المُعتبرَين؛ إذ قال سيدنا رسول الله محمد صلى
 

10

 

الله عليه وآله وسلم: « لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ " يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ "([3]) إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ:

*  الثَّيِّبُ الزَّانِي.

*  وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ.

*  وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ ».

ومَدار " التأويل والشبهة ": على هذه الثلاث.

وكونهما معتبرَين: يعني مِن قِبَلِ " أهل الاختصاص الذين تقوم بهم الحجّة "؛ كما جرى مع بعض السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم.

فليس يُعتَبَرُ " التأويل " أو " الاشتباه " القائمُ على المخالفة الذّاتيَّة، كما يقع من بعض الأحزاب المنتمية إلى الإسلام([4]).

11

 

والسَّلامَةُ في العَمَلِ بالتأويل والشبهة المُعْتَبَرَيْنِ: بِتَحَرِّي الإجماع وإلا عُصِمَ الدم، ومثله المال والعِرض؛ لقول سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ  وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ ».

12

 

[ هوية القاتل ]

الوجه الرابع: في هويَّة القاتلِ، الظاهر: أنه لا فرق بين كونه كافراً أو مسلماً؛ لعموم اللفظ.

فقد قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ». فقيل: يَا رَسُولَ اللهِ هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: « إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ ».

وكون " المقتول في النار " بهذا الخبر: فإنَّه للعِلَّة الظاهرة وهي: " الحرص على القتل ظلماً وعُدواناً "([5])؛ كما اقتضت القرائن  إذ تفيد: أن المقتول كاد ليكون قاتلاً لو سبق قاتلَه.

فإن انتَفَت العِلَّة مِنَ الطرفين: فلا يشملهما النصُّ، أو مِنْ أحدهما: فيشمل النَّصُّ الآخرَ.

وقد قرأت لابن أبي جمرة رحمه الله تعالى في البهجة كلاماً طيباً يشرح به ذلك في خبر قتال المسلمين، فليُراجعه طالبُ التوسعة.

 

[ حد القاتل ]

الوجه الخامس: أن القتلَ صفةٌ لكل مَن له يد في الفعل، ولو لم يكن الفاعلَ؛ كما في الخبر عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه
 

13

 

وآله وسلم: « مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ عَلَى جَبْهَتِهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ».

وفي الشرع: أن الجماعة إن حَضـروا لقتل مؤمن " على أن يتولى القتلَ أحدُهم، بينما يحصل من الآخرين المساعدة ": فإن الكُل قاتلون، يجب قتلهم جميعاً.

 

[ صفة المؤمن ]

الوجه السادس: أن صفة المؤمن: هي " شهادته أنْ لا إله إلا اللهُ وأن سيدَنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسُولُ الله "؛ كما بيَّن سيدُنا رسُول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم في " حديث الـدَّم " الذي ذكرناه في الوجه الثالث([6]).

14

 

والشهادة: هي التَّصديق والتَّحقيق لنفس الأمر، بأن يصدِّق المرء ذلك، ويثبته في محلِّه بلا ناقض.

فمن صَدَّق أن " لا إله إلا اللهُ " تعالى، وكَفَرَ بكل مُؤلَّهٍ سواه، وأن " سيدنا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رسولُ الله تعالى " وَكَفَرَ بكلِّ رسَالةٍ من بعده غير رسَالته، ولم يُنْكِر ذلك أو حَقَّه ( وهو: إثبات مقتضاه وِفْقاً للرسَالة ) عامِداً: فهو مؤمن، لا يحل دمه إلا بحقِّ الإسلام ( الذي هو: الانقياد لأحكام الرسالة الشـرعيَّة ) قِصاصاً، كزِنا الثيّب؛ إذ قال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه رضي الله تعالى عنهم: « بَايِعُونِي عَلَى: أَنْ لَا تُشْـرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْـرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ. فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ: فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا: فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ: فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ ».

فجمع بين "حقِّ الإيمان" و "حقِّ الإسلام"، وبيَّنَ في هذا الخبر أن التخلّفَ عن الثاني لا ينقض الإيمان، خلافاً للأول الذي قال الله تعالى فيه: {{ إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء، وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا }}[النساء:48].

15

 

[ أثر القتل على إسلام القاتل ]

الوجه السابع: أن قوله تعالى: {{ فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه }}: لا يُراد به " الإكفار " بمجرَّد القَتل، كما لا يُراد بخبر: « قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ »: " الكُفر الكلّي " المخرج من المِلَّة، إلا أن يُتأوَّلا بـ" استحلال القتل " الناقِض لحقِّ الإيمان.

وذلك: أن سيدنا رسول الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد سمَّى " القاتل " في الخبر المتقدم " مسلماً "، فقال: « إذا التقى المُسْلِمان .. »، فلم يخرجه عن دائرة الإسلام.

 

[ حصول الجزاء للقاتل ]

الوجه الثامن: أن جزاء القاتل المنصوص عليه يحصل جميعاً للكافر، وأما المسلم: فيُجنّبه " إيمانُه " الخلودَ في النار، والطردَ من رحمة الله تعالى، لكن يلاقي العذاب نفسه.

ومنه ما ورد في خبر: « أعظم الكبائر عند الله: قتل النفس فمن قتل نفساً بسكّين لا تزال الملائكة تطعنه بتلك السكين في أودية جهنَّم إلى أبد الأبد، وهو خالد في النار، آيس من شفاعتي ».

أجارنا الله تعالى من ذلك، وما عداه من المهالك.

16

 

[ خطر القتل على إيمان القاتل ]

الوجه التاسع: أن إيراد " الجزاء " بهذا النَّصِّ: فيه تحذير من كون " قتل المؤمن " سبباً قد يؤدِّي إلى الكفر، أو سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى.

بل قد ورد: أن بعضَ من انتهك دون ذلك مِن حرمات الله تبارك وتعالى ابتُلي بذلك، فما الظنّ به: وهو على هذا النحو من التهديد والوعيد، وأن " المؤمنين ": أولياء الله تعالى _ على تفاوت مراتبهم _ القائل: {{ مَن آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب }}؟!

لذلك فليحذر المغترون بـ" التوبة والقِصاص: أنهما يُكفِّرَان الذّنبَ "؛ إذ لا يعلمون وَقْعَ ذلك عليهم، ولا كيف يُختم لهم.

نسأل الله تعالى المُعافاة والسلامة. "انتهى

17

 


[1])) وذلك في إجابة طلب دار الجنيد بجمعه كلماته النورانية لجمع الأمة المحمدية التي أوردناها في كتاب الحاشية السعدية في كلمة واحدة لا تتعدى الوارد فيها نسبة لابتناء طلبها على عدم الخروج عن حدودها المنقولة في الحاشية. (دار الجنيد)

[2])) هو كتاب " فتح العليم، بشـرح بعض الخطاب الحكيم " للشيخ الإمام حفظه الله تعالى، وهو من المخطوطات المعلَّقة. (دار الجنيد)

[3])) قال الشيخ الإمام رضي الله عنه في توجيه له بالمسألة:" مَن شَهِد بذلك: فقد ثَبَتَ إسْلامُه، فَثَبَتَت عِصْمَتُهُ المَنْصُوْص عَلَيْهَا.

وينبغي العلم في المقام: أنَّ " المسْلِم " بهَذَا الاعتِبَار، لا تُنْقَض عِصْمَتُهُ بالخِلاف المُتَنَازَع عَلَيْهِ بَيْنَ فِرَقِ المُسْلِمِيْنَ، بِأَنْ كَانَ بَعْضُهُم يَرَاه بِمُخَالَفَتِهِ إيَّاه كَافِراً؛ نِسْبَة لِما تَقرَّرَ فِي مَنْهَجِهِم أَوْ مَذْهَبِهِم.

وبالتالي: لا تُنْقَضُ " عِصْمَةُ المُسْلِمِ " المُقَرَّرَةُ هَذِهِ إلا بِمَا وَقَعَ الإِجْمَاعُ الصَّـرِيْحُ عَلَيْهِ. "انتهى (دار الجنيد)

[4])) يعني: مِمَّن يَحْكُمُوْنَ عَلَى مُخَالِفِهِم بِذَلك؛ بِنَاءً عَلى الاعتبار المُنكَر المشار إليه   هنا! والذي تقدم توضيحه في الحاشية السابقة (رقم:3) من طريق الشيخ الإمام رضي الله عنه.

وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الإمامُ رضي الله عنه في تَوْجِيْهٍ آخَر بالمَسْألة:" إنَّ تَعَرُّضَ البَعْض لِمُخَالِفِيهم في المَنْهَجِ أَوْ المَذْهَبِ الشَّـرْعِيّ بِالأَذَى ( المُعَارِضِ لـ" عِصْمَةِ المُسْلِمِ " ) المَنْصُوْصِ عَلَيْهَا فِيْ الخَبَرِ الصَّحِيْحِ: مُنْكَرٌ.

ولقد قال اللهُ ربُّ العالمين: {{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ: إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ }}[الأنفال:38].

فَبَيَّنَ: أنَّ التَّعَرُّضَ للمُصَـرِّحِيْنَ بالكُفْرِ: مُتَوَقِّفٌ عَلى دَعْوَتِهِم إِلَى الحَقِّ، وَمِن ثُمَّ تَقَرَّرَ مَبْدأُ " الاسْتِتَابَة " لِلمُرْتَدّ عَن الإسْلام.

فَكيفَ يَسْتَبِيْحُ البَعْضُ " مَحَارِمَ " مَنْ يُصَـرِّح بإسْلامِه، لِلْمُخَالَفَةِ التِي يَرُونَهَا شُبْهَةً وَيَرَاهَا حُجَّةً، وَبِدُوْنِ مُنَاظَرَةٍ تَظْهَر فِيْهَا الحُجَّةُ، وَلَو عَلَى مَفْهُوْمِ الاسْتِتَابَة فِي نَظَرِهِم؟!

هَذا، وإنَّ " سُلْطَةَ الحَدِّ " أَصْلا: لَيْسَت حَقًّا لأَفْرَادٍ شَخْصِيِّيْنَ [ وهم: أفراد الناس ] أَوْ مَعْنَوِيِّيْنَ [ وهم: مجموعات الناس، كالأحزاب، والمنظمات، والجماعات والعصابات، ونحو ذلك ] مِنْ فِرَقِ الأُمَّةِ، وَإِنَّمَا: هِيَ حَقّ لِلحَاكِمِ القَائِمِ عَلَى أَمْرِ الأمَّــةِ.

وبالتالي: يَكُوْن المُعْتَدِي مِنْ هَؤلاءِ مُقْتَرِفاً لِذَنْبَيْنِ: تَعِدِّي حُرْمَة اللهِ تَعَالى فِي المُسْلِم، وَتَعَدِّي حُدُوْد اللهِ تَعَالى فِي الحُقُوْقِ. "انتهى وما بين المعقوفتين [ ] زيادة توضيحية (دار الجنيد)

ملاحظة: وقد تقدم في "المقدمة النورانية" بيانُ الأمر المطلوب من المختلفين القيامَ عليه، والعملَ به، فليُرَاجَع لإتمام فَائِدَةِ البَيَان المُثْبَت هنا. (دار الجنيد).

[5])) والذي منه: ما تقدم تقريره في الوجه الرابع والحواشي المتعلقة به. (دار الجنيد)

[6])) وهو: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: « لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ " يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ " إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ  وَالتَّـارِكُ لِدِينِـهِ الْمُفَـارِقُ لِلْجَمَـاعَـةِ ».

وهنا لطيفة لمولانا شمس الزمان رضي الله عنه: حيث أنه بهذه العبارة إنما يردّ القارئ الكريم إلى " الوجه الثالث "؛ لِمَا قَدْ بَيَّنَ فيه مِن حُدُود هَذَا الأمر، ليكون مع ما يقرأه هنا: على بصيرة في فهم مَطلبه النوراني.

وذلك ما دعانا بدورنا إلى التنبيه على هذه اللطيفة، خاصة وأنا قد أضفنا في الحاشية هناك مزيدا من البيان نقلا عن شيخنا شمس الزمان رضي الله عنه، سعيا لتوسيع الفائدة بها، والحمد لله العليم الخبير. (دار الجنيد)

 


المحتويات

الموضوع

الصفحة

 

تقديم دار الجنيد

3

مقدمة نورانية في الحقوق المطلوبة بين الأمة الإسلامية

5

أصول اجتماع الأمة

6

جوامع فروع اجتماع الأمة

7

تمهيد لبحث حكم الدين في قتل المؤمنين

9

حد قتل المؤمن، وأنواع القتل، وأقسام القتل العمد

10

مدار وضابط التأويل والشبهة لإقامة " حَدّ " القتل

11

بيان حد عصمة المسلم وحقوقها بين المسلمين (حاشية)

11

السلامة في العمل بالتأويل والشبهة المعتبرين

12

حكم التعرض بالأذى للمسلم المخالف (حاشية)

12

سلطان إقامة الحدود الشرعية المقرَّرة (حاشية)

12

هوية القاتل، وحدُّه

13

صفة المؤمن

14

الوقوف على لطيفة من حكمة شمس الزمان (حاشية)

14

حَدّ شهادة الإيمان والمؤمن بها، وحَدّ حُقوق ذلك

15

بيان الفرق بين " حق الإيمان " و " حق الإسلام "

15

أثر القتل على إسلام القاتل، وضبط حصول الجزاء له

16

خطر القتل على إيمان القاتل

17

المحتويات

18

تم الكتاب والحمد لله ربّ العالمين

18

حمل الكتاب بصيغة PDF