[ تحذير من الاغترار بالمارقين ]
ولا يغرنّكم عدد الذين خرجوا عن المذاهب الأربعة في هذا الزمان، وتقلّبهم في البلاد، وتصدّرهم بعض مجالس العباد؛ لأن ذلك مما بيّنه الشارع الحكيم، وحذّر من الاغترار والفتنة به:
فقال سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم:" من شرط الساعة: أن يُرفَع العلم، ويظهر الجهل " أي: بالكتاب والسنة، فيُستدل بهما على غير ما يدلان، ويُحرَّفان ويُؤوّلان؛ وذلك أن المقصود برفع العلم: رفع العلم الصالح لاستنباط الأحكام من الكتاب والسنة وفهم دلالاتهما، لأن أيّ ناظرٍ في النصوص يفهمها بحسب عقله وفهمه، وليس كلّ عقلٍ صالحٍ، ولا كلّ فهم صحيح. وذلك: ظهور الجهل، وهو: التحدث في الدِّين واستنباط الأحكام ممن ليس من أهل الاجتهاد.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم عن هؤلاء:" يكون بعدي أئمة "، أي: أُناسٌ يُؤتمّ بهم، " لا يهتدون بهُداي، ولا يستنّون بسنتي"[مسلم]، وذلك أن هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنّته: أن لا ينظر في الدِّين ويستنبط الأحكام منه إلاّ عالم مجتهد، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:" إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر "؛ أمّا غير المجتهد، فلا خلاف في إثمه حتى ولو أصاب كما في الحديث:" من قال في القرآن برأيه، فلْيتبوّأ مقعده من النار "، وحديث:" من قال في القرآن بغير علم فلْيتبوّأ مقعده من النار"[البغوي وحسنه]؛ ولأنه من الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ودينه.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً، اتّخذ الناسُ رؤوساً جُهّالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضَلّوا وأضَلوا "[متفق عليه] أي: فأفتوا بأفهامهم التي لا تبلغ مرتبة العلم الصالح لاستنباط الأحكام.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:" أخاف عليكم الهرج ". قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال:" القتل ". قالوا: أكثر مما نقتل اليوم!! إنا لنقتل من المشركين كذا وكذا؟ قال:" ليس قتل المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضاً ". قالوا: وفينا كتاب الله _ أي: وسنتك _؟ قال:" وفيكم كتاب الله " أي: وسنتي. قالوا: ومعنا عقولنا؟ _ أي: على ما هي اليوم من علم وعدالة وهداية وفهم صحيح للكتاب والسنة _؟ قال:" إنه يُنزَع عُقول عامة أهل ذلك الزمان، وتخلف له هباء من الناس، يَحْسَبُوْن أنهم على شيء، وليسوا على شيء "[البغوي].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:" إذا ضُيِّعت الأمانة فانتظر الساعة ". قيل: كيف إضاعتها؟ قال:" إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة "[البخاري].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:" يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر لا يباليهم الله بالة "[البخاري].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعبد الله بن عَمْرو رضي الله تعالى عنه:" يا عبد الله بن عمرو، كيف أنت إذا بقيت في حثالة من الناس، مرجت عهودهم وأماناتهم؟ " أي: اختلطت، واختلفوا، " فكانوا هكذا " وشبك بين أصابعه. قال: فبِمَ تأمرني؟ قال:" عليك بما يُعرَف ودَعْ ما يُنكَر، وعليك بخاصّة نفسك، وإياك وعوامهم "[متفق عليه].
وهل يُعرَف مثل المذاهب الأربعة؟!!
ولله در القائل:
|
وكلّ خيرٍ في اتّباع من سلف |
|
وكلّ شرٍّ في ابتداع من خلف |
|
وكلّ هَـدي للنبيّ قـد رجح |
|
فما أبيح افعل ودع ما لم يُبَح |
|
وتابع الصـالح ممن سـلفا |
|
وجانب البدعـة ممن خلفـا |