|
أحكامُ الذِّكر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد عبده ونبيه ورسوله الأمين، وعلى آله وصحبه وخلفائه وورثته وأتباعه حقاً إلى يوم الدين، أبدَ الآبدين ودهرَ الداهرين. وبعد: فإن ذِكْرَ الله تعالى ( ثناءً ودعاءً ) من أفضل الأعمال؛ قال الله تعالى: { واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون } بل قال جل جلاله: { فاذكروني أذكركم }، وقال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكرُ ربَّهُ: مثلُ الحيّ والميِّت }، وقال: { ليس يتحسَّرُ أهل الجنةِ إلا على ساعةٍ مَرَّتْ بهم ولمْ يذكرُوا الله تعالى فيها }. ولما كان الذكر كذلك، رتب الشارعُ الحكيمُ له ضوابطَ تليقُ بمنزلته، وتصونه وأهله على الحقّ. وهي: أولاً: ( حكم الذكر ): الندب ( الاستحباب )، خلا ما ورد النصُّ بوجوبه، وذكره أهلُ العلم في مواضعه. ويُسنُّ كونه ( سراً أو جهراً ) بحسب القرائنِ المحتفّة حِكْمَةً لا حُكْماً؛ قال الله تعالى: { واذكروه كما هداكم } وإلا فإنه يجوز في الذكر لذاته الإسرارُ أو الجهرُ مطلقاً؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { يقول اللهُ: أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكَرَني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خيرٍ منهم .. }. و( الجماعة ) خير من الواحد؛ قال مولاي اللهُ تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يُريدون وجهه }، وقال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { يقول الله عز وجل: يوم القيامة سَيَعلمُ أهلُ الجَمْع مَن أهل الكرَم }. فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: { أهل مجالس الذكر }، وقال: { إن لله ملائكةً يطوفون في الطريق؛ يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجلّ تنادوا: هَلمّوا إلى حاجتكم. فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربّهم - وهو أعلم بهم -: ما يقولُ عبادي؟ يقولون: يُسبحونك ويُكبرونك ويحمدونك ويُمجدونك .. } الحديث. ثانياً: ( صِيَغُ الذكر ): ما ثبت من أسماء الله تعالى في الكتاب والسنة؛ قال الله تعالى: { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها }. والدُّعاء بأسماء الله تعالى يصحّ إثباتاً أو ثناءً أو رجاءً. فـ( الإثبات ): أنْ يُدْعَى اللهُ تعالى باسم من أسمائه مجرّداً، نحو: ( الله )؛ قال الله تعالى: { أذكر اسم ربّك وتبتّل إليه تبتيلا }. و( الثَّنـاء ): أنْ يُدعى اللهَ تعالى باسم من أسمائه في عِبارةٍ تفيدُ كمالَه عزّ وجلّ. و( الرجاء ): أن يُدعى اللهُ تعالى باسمٍ من أسمائه في عبارةٍ يُقصدُ بها الطلب منه تبارك وتعالى. هذا، ولا يخفى أن اللسانَ فيه إضمارٌ، فيقول العبدُ اسمَ الله تعالى مجرّداً ويُضمر فيه ثناءً أو رجاءً، وعندها يُعدُّ بحسب المُضمَر من الأقسام المتقدمة. ويجب مراعاة ذكر أسماء الله تعالى، بأن تُقال كما هي، من غير زيادة أو نقصان في حروفها، في نفس الأمر لا بالنسبة للسامع؛ فقد لا تسمع الحروف جميعاً بينما يكون الذاكر قد أتى بها. ثالثاً: ( آداب الذكر )، التي ينبغي مراعاتها هي: 1/ النظافة والطهارة. 2/ التطيّب. 3/ استقبال القِبلة. 4/ الإخلاص. 5/ حضور القلب. 6/ الخشوع والخضوع؛ قال الله تعالى: { ويدعوننا رَغباً ورَهَبا وكانوا لنا خاشعين }. 7/ رفع اليدين حذو المنكبين في الدعاء، والسؤال ببطون الأكف؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { إن ربكم تبارك وتعالى حييٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده إذا رفعَ يديه إليه أن يرُدهما صِفراً }. 8/ الذكر بجوامع الكلم. 9/ عدم تكلّف السّجع، بل يدعو بلسانه وعبارته في حاجته. 10/ عدم الدعاء بمحظور. 11/ مسح الوجه بالكفين عقب الدعاء. رابعاً: ( أسباب القَبُول والإجابة ): أهمها: 1/ العمل بآداب الذكر. 2/ طيب الغذاء والمال والأعمال. 3/ اليقين بالقبول والإجابة. 4/ افتتاح الذكر واختتامه بالثناء على الله تعالى، والصلاة على سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم. 5/ الجَزْم بالطلب. 6/ التوسُّل بأسماء الله تعالى وصفاته. 7/ التوسّل بالصالحين، سيما سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأولياء المعروفين: بأن يُتقرب إلى الله تعالى بنحو جاههم ( كقول: اللهم إني أسألك بجاه فلان في كذا )، أو يُستشفع بهم إلى الله تعالى ( كقول: يا سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم اشفع لي عند الله تعالى في كذا )، كما في ( حديث الأعمى ): قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمّد، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي لتُقضى لي } قال الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وابتغوا إليه الوسيلةَ }، وقد بين الشارع الحكيم وسليّة الصالحين؛ فقال الله تعالى: { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسولُ لوجدوا الله تواباً رحيماً }، { وكان أبوهما صالحاً } .. وعلّمنا سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم توسلات به وبالأنبياء والصالحين والمُوكَّلين، ثبتت في الصّحاح وليس هنا موضع بسطها. تنبيه: وينبغي للذاكر المُتَوَسِّل ملاحظة: كون التأثير لله تعالى وحده؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { إذا استعنت فاسْتعن بالله }، أي: إذا استعنت بشيءٍ فاعقد قلبك على كون المُؤثِّر في العون هو الله تعالى. 8/ التوسل بالأعمال الصالحة. 9/ طلب الدعاء من المؤمنين - سيما الصالحين - في ظهر الغيب؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { دعوةُ المَرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة }. 10/ تحرّي أوقات الإجابة، كشهر رمضان، وليلة القدر، وبين الأذانين .. الخ. 11/ تحرّي أحوال الإجابة، كالسجود، والتحام الجيوش .. الخ. تنبيه: وينبغي ملاحظة أن إجابة الله تعالى للدعاء لها أحوال مختلفة؛ لأنه سبحانه أعلم بما يصلح للإنسان من نفسه. قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { ما على الأرض مسلم يدعو اللهَ تعالى بدعوة إلا آتاه اللهُ إياها، أو صرفَ عنه من السوء مثلها، أو يدَّخر له من الأجر مثلها، ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحِم }. خامساً: ( آثار الذكر )، التي يشكل على البعض فهمها، ومنها: 1/ ( الحركة ) وما في معناها؛ فإن الروح من طبعها أن تستمدّ طاقاتٍ فعّالةٍ عند نحو ذكر الله تعالى، فتهتزّ في الجسمِ وتضطرب. وهي نوعان: النوع الأول: ( حركة اختياريّة )، لا بأس بها ما دامت في حدّ الاعتدال؛ لأنها عون على الاجتهاد وصرف الأغيار. فإن تعدّت ذلك إلى الرّقص والصراخ ونحو ذلك، فهي إساءةٌ عدّها البعضُ ضرباً من الزندقة، والعياذ بالله تعالى. النوع الثاني: ( حركة اضطراريّة )، لا مُؤاخذة بها، ولا يُلامُ صاحبُها؛ { لا يُكلفُ اللهُ نفساً إلا وسعها }، وإلى نحوها الإشارة بقولهم:
2/ ( الجَذبة ) وما في معناها؛ فإن الروح من طبعها التأثر بالوارد، والتنفيس بالصّراخ ونحوه عند المُفاجئ والقويّ منه. وكون الصراخ غالباً بلفظ الجلالة؛ فلِمَا اعتادته الروح وألفه البََدَن من شأنه. سادساً: ( ثمرات الذكر ): وهي كثيرة، نذكر منها: 1/ ( ذكر الله تعالى )؛ قال الله تعالى: { فاذكروني أذكرْكُم }، وقال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { ما من قومٍ يذكرون اللهَ إلا .. ذكَرَهُمُ اللهُ .. }. 2/ ( مَعيَّة الله تعالى )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن الله تعالى: { أنا معَ عبدي ما ذكرني وتحَرّكت بي شفتاه }. 3/ ( رحمة الله تعالى وسكينته ولطائفه )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { ما من قوم يذكرون الله إلا حفّتْهُمُ الملائكةُ، وغشيتهمُ الرّحمة، ونزلت عليهم السكينة، .. }. 4/ ( صرعُ الشيطان )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { إن الشيطان واضع خطمهُ على قلب ابن آدم، فإن ذكر اللهَ خنسَ، وإن نسي التقمَ قلبه، فذلك الوسواس الخناس }. 5/ ( صفاء القلب )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { إن لكلّ شيءٍ صِقالة، وإن صِقالة القلوب ذِكرُ الله }. 6/ ( اطمئنان القلب )؛ قال الله تعالى: { الذين آمنوا وتطمئنّ قلوبُهُم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب }. 7/ ( الكرامة )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { يقول الله عز وجل: يوم القيامة سَيَعلمُ أهلُ الجَمْع مَن أهل الكرَم }. فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: { أهل مجالس الذكر }. 8/ ( إرث الجَنّة )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: { غنيمة مجالس الذكر: الجنّة، الجنّة }. 9/ ( قضاء الحاجات )؛ قال سيدي رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرويه عن الله تعالى: { من شغله ذِكري عن مسألتي، أعطيتُه أفضلَ ما أعطي السائلين }. فعلى الذاكر ملاحظة ذلك جميعاً؛ لترتفع همّته وتقوى عزيمته. تم ولله تعالى الحمد حمداً طيباً مباركاً فيه فأسأل الله تعالى توفيقنا لكل خير، وعدم صرفنا إلى الغير |